السؤال
أعمل مهندس تشطيبات، وأحصل على خصم خاص 20% على مستلزمات الكهرباء من البائعين، فهل يحق لي إذا قمت بالشراء للعميل أن أستفيد من هذا الخصم وأحاسبه على السعر الرسمي، أو آخذ عشرة في المئة وأعطيه عشرة في المئة من الخصم؟
الجواب
هذه المعاملة يمكن أن تتم بصورتين: الصورة الأولى منهما: أن تكون وكيلا عن العميل في شراء مستلزمات العمل، وفي هذه الحالة ما تحصل عليه من تخفيضات أو خصومات في الأسعار يكون للعميل، ولك الأجر المتفق عليه لإنجاز هذا العمل.
الصورة الثانية: أن تكون متعاقدا مع العميل على إنجاز العمل كاملا بما يشمل أسعار مستلزمات العمل، وأجرة الصنايعية والإشراف والمتابعة للعمل، وفي هذه الحالة يكون إجمالي التكلفة متفق عليه مسبقا، فيكون ما تحصل عليه من خصومات أو تخفيضات حق لك.
التأصيل الشرعي
يتضح الحكم الشرعي في هذه الواقعة بتحديد طبيعة العلاقة بين المهندس وصاحب العمل (المالك)، وهذه العلاقة إما أن تكون وكالة، أو تكون عقد مقاولة، والذي يرجح أحدهما على الآخر هو الاتفاق الذي تم بين المهندس وبين المالك عند بداية العمل، فإذا كان الاتفاق على أن يأخذ المهندس أجر الإشراف على تنفيذ أعمال التشطيب، دون أن يكون هو المورد للخامات المستخدمة، فيكون في هذه الحالة وكيلا عن المالك إذا كلفه بشراء ما يلزم، ويأخذ الأجر المتفق عليه فقط.
وعَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ»[1].
فما حصل عليه الوكيل من ربح عاد به لموكله.
قال الإمام البهوتي الحنبلي: “(وهبة مشتر لوكيل باعه كزيادة) في ثمن فتلحق بالعقد في مدة الخيارين وتكون للموكل، (ومثله عكسه) أي هبة بائع لوكيل اشترى منه فتلحق بالعقد وتكون للموكل زمن الخيارين وإن كانت الهبة بعد لزوم البيع فهي للموهوب له فيهما”[2].
وعلى هذا فيكون ما حصل عليه المهندس من تخفيض في السعر أو خصم جزء منه من حق المالك؛ لأنه اشترى له وبطلب منه.
أما إذا كان قد اتفق مع المالك على أن يتقاول على العمل كاملا إشرافا وتنفيذا وتوريدا لما يلزم لأعمال التشطيب، فتكون العلاقة بينهما عقد مقاولة، وهو: “عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر”[3].
فإذا كان المهندس يورد المواد التي يحتاجها في عمله، مع الإشراف على التنفيذ، فالمقاولة تكيف فقها على أنها عقد استصناع، الذي أجازه الأحناف[4].
وقد استدلوا على جواز عقد الاستصناع بأدلة منها: قول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا؛ فهو عند الله قبيح»[5].
حيث عمل الناس بعقد الاستصناع من غير نكير، لوجود الحاجة الداعية إليه.
“ولأن فيه معنى عقدين جائزين، – وهو السلم والإجارة -؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين؛ كان جائزا”[6].
ففي هذه الحالة إذا اشترى بأقل من السعر المتعاقد به فلا حرج في ذلك أو حصل على خصم عند الشراء فيكون له في هذه الحالة؛ لأنه مطالب بتسليم العمل على نحو اشترط المالك وبما تم الاتفاق عليه من ثمن عند التعاقد، فأي تخفيض أو خصم فهو للمقاول (المهندس في واقعة السؤال).
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم (3642).
[2] كشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 234).
[3] القانون المدني المصري، المادة: (646).
[4] يراجع: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، (5/ 2).
[5] أخرجه أحمد موقوفا على ابن مسعود بإسناد حسن وكذلك أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود والبيهقي في كتاب الاعتقاد وأخرجه أيضا من وجه آخر عن ابن مسعود. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/ 187).
[6] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (5/ 3).


