السؤال
أمتلك قطعة أرض وأريد بناء عمارة سكنية، وقمت بعمل مناقصة ودعوت إليها مجموعة من المقاولين، وقدموا عطاءاتهم، وبعد فتح المظاريف وجدت أن أسعارهم أعلى بقليل من السعر الذي قدرته، فأخبرتهم بأن لدي من قدم سعرا أقل من الأسعار التي تقدموا بها؛ لأقنعهم بتخفيض أسعارهم، وهذا على خلاف الواقع، وقد تم التعاقد مع أحدهم بعد أن خفض سعره بنسبة 5%، فهل هذا التعاقد يكون صحيحا؟
الجواب
إخبار المالك بأنه أُعطي سعرا أقل من السعر الحقيقي؛ لإغراء المقاول بتخفيض سعره يعد صورة من صور النجش المنهي عنه شرعا، وهذا التصرف حرام شرعا، إلا أنه لا يبطل عقد المناقصة، فالعقد صحيح مع حرمة هذا التصرف.
التأصيل الشرعي
مع اتساع دائرة المعاملات المالية في العصر الحديث بسبب زيادة النشاط العمراني وتطوره السريع، صارت الحاجة ماسة إلى ما يعرف بالمناقصة وهي مرحلة تسبق التعاقدات التي تكون بين أطراف المعاملات المراد تنفيذها.
والمناقصة في اللغة على وزن مفاعلة وهي من صيغ المبالغة التي تفيد التكرار، وفعلها “ناقَصَ” أي قلَّل، والنقص بمعنى الحط من الشيء أو التقليل منه[1].
وهي طريقة مستحدثة لإبرام بعض العقود؛ ولذا فلم يتعرض لها الفقهاء قديما بالتعريف، وإنما عرفتها القوانين الإدارية، وانتقل التعريف إلى الفقه المعاصر مع إضافة بعض القيود، فتعرف المناقصة بأنها: “طلب الوصول إلى أفضل عطاء للتعاقد على نحو مقاولة أو توريد”[2].
وهي وسيلة ناجعة للوصول إلى أفضل الأسعار بالنسبة للمالك، وطريقة عادلة للتنافس الشريف بين المناقصين لتقديم أفضل ما لديهم بالتكلفة المناسبة، وحصولهم على الأعمال بدون واسطة أو رشوة أو محاباة.
وهي جائزة شرعا قياسا لها على المزايدة المشروعة في عقد البيع في التراث الفقهي، والتي يستدل لجوازها بما رواه أصحاب السنن عن أَنَسِ بن مَالِكِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا وقال: «مَن يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟». فقال رَجُلٌ: «أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَم». فقال النبي ﷺ: من يَزِيدُ على دِرْهَم؟ من يَزِيدُ على دِرْهَم؟». فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنه[3].
وقد أمرنا الإسلام بالتزام الصدق في المعاملات المالية، والبعد عن الخديعة؛ فحرم النجش في البيع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تناجشوا”[4].
والمقصود بالنجش: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليغري غيره.
وقد اتفق الفقهاء على حرمة الزيادة في ثمن السلعة إذا كان الشخص لا يرغب في شرائها، ويفعل ذلك لإغراء غيره بشرائها؛ لما فيه من الإضرار بالغير.
قال صاحب رحمة الأمة: “النجش حرام وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره، فإن اغتر به إنسان فاشترى فشراؤه صحيح عند الثلاثة، وإن أثم الغار (البائع)، وقال مالك: الشراء باطل”[5].
وكما يقع النجش في البيع بالمزايدة يقع في الشراء بالمناقصة، فالنجش بالشراء بالمناقصة هو “التنقيص من ثمن السلعة ممن لا يريد بيعها”[6].
والمناقصة مقيسة على المزايدة في أحكامها، وبما أن النجش حرام في المزايدة، فيكون القياس حرمة النجش في المناقصة.
وللنجش في المناقصة عدة صور منها ما ذكر، ومنها إخبار المالك كاذبا بأنه عرض عليه سعر أقل من السعر الحقيقي لإغراء المناقصين بتقليل أسعارهم، وهذه الصورة هي محل سؤال السائل، وحكمها الحرمة لأن المالك كذب ليغرّ المناقصين لخفض أسعارهم.
وإذا تم التعاقد مع أحد المقاولين مع وجود النجش من المالك، فإن التعاقد يكون صحيحا على مذهب جماهير الفقهاء القائلين بصحة العقد الذي يقع فيه النجش، مع حرمة هذا الفعل من المالك، لأن التحريم متوجه لفعل خارج عن العقد وهو النجش.
أما بالنسبة للخيار في هذا العقد إذا علم المقاول بكذب المالك بإخباره أنه عرض عليه سعرا أقل من السعر الحقيقي، فالمختار للفتوى أنه لا خيار له كما هو مذهب السادة الشافعية الذين يرون صحة العقد الذي يقع فيه النجش ولا خيار فيه لتقصير الطرف الذي غرر به.
قال الخطيب الشربيني: “(والأصح أنه لا خيار) للمشتري لتفريطه حيث لم يتأمل ولم يراجع أهل الخبرة. والثاني: له الخيار للتدليس كالتصرية، ومحل الخلاف عند مواطأة البائع للناجش وإلا فلا خيار جزما، ويجري الوجهان فيما لو قال البائع أعطيت في هذه السلعة كذا فبان خلافه”[7].
ويترجح القول بعدم ثبوت خيار الفسخ في حق المقاول الذي تعاقد مع المالك مع وقوع النجش في العقد بأي صورة من صوره؛ لأن المقاول قبل دخول المناقصة عليه أن يقوم بالتسعير واستخراج خطاب الضمان وغير ذلك من الإجراءات التي تمكنه من التمهل والتفكر وتحديد القيمة المناسبة للتعاقد، واحتمال التغرير به يكون ضعيفا، وعلى فرض حصوله فإنه يرجع إلى غفلته وتقصيره.
وعلى هذا فالعقد صحيح ولا خيار للمقاول في فسخه، وما فعله المالك حرام عليه أن يستغفر الله تعالى ويتوب إليه، ولا يعد لذلك مرة أخرى.
والله تعالى أعلم
[1] يراجع: لسان العرب لابن منظور، (7/100)، وأساس البلاغة للزمخشري، (2/299).
[2] يراجع: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني عشر، (2/572)، والمعاملات المالية أصالة ومعاصرة، (8/527)، والمشروع الهندسي حلاله وحرامه، ص54.
[3] سنن الترمذي، حديث رقم (1218).
[4] رواه البخاري في صحيحه، رقم (6066)، ومسلم في صحيحه، رقم (1413).
[5] رحمة الأئمة في اختلاف الأئمة، أبي عبد الله محمد عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي، ط مجلة الأزهر، (2/62).
[6] المشروع الهندسي حلاله وحرامه، ص147.
[7] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (2/ 392).


