السؤال
قمت بدفع مبلغ من المال إلى شخص ليتجر فيه على أن يعطيني 25% من رأس المال ربح سنوي، وليست نسبة من الأرباح، وخسر هذا المشروع والسؤال من الذي يتحمل هذه الخسارة؟
الجواب
هذه المعاملة مضاربة فاسدة لفقدها شرطا من شروط المضاربة الصحيحة وهو كون الربح بين العامل وصاحب المال، أما كون الربح نسبة ثابتة من أصل المال فهذا لا يصح، والخسارة في المضاربة الفاسدة تقع على صاحب المال، واختلف الفقهاء فيما يستحقه العامل فيها، والقول بعدم استحقاقه شيئا إجراء لها مجرى الصحيح هو المختار للفتوى، والموافق لغرض المتعاقدين.
التأصيل الشرعي
هذه المسألة ما هي إلا حقيقة المضاربة، ويسمى قراضا أيضا، والتسمية بالمضاربة لغة أهل العراق؛ لأن كلاً من العاقدين يضرب بسهم في الربح، ولأن العامل يحتاج إلى السفر، والسفر يسمى ضرباً في الأرض، قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}[1].
وفي لغة أهل الحجاز يسمى قراضًا، وهو مشتق من القرض وهو القطع؛ لأن المالك يقطع للعامل قطعة من ماله يتصرف فيها ويعطيه قطعة من الربح، أو مشتق من المقارضة: وهي المساواة لتساويهما في استحقاق الربح، أو لأن المال من المالك والعمل من العامل، وهي لهذا تشبه الإجارة؛ لأن العامل فيها يستحق حصته من الربح جزاء عمله في المال[2].
ولا خلاف في مشروعيتها لحاجة الناس إليها، قال ابن رشد: “ولا خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره الإسلام، وأجمعوا على أن صفته أن يعطي الرجلُ الرجلَ المال على أنه يتجر به على جزء معلوم يأخذه العامل من ربح المال، أي جزء كان مما يتفقان عليه ثلثا، أو ربعا، أو نصفا، وأن هذا مستثنى من الإجارة المجهولة، وأن الرخصة في ذلك إنما هي لموضع الرفق بالناس”[3].
والمضاربة الصحيحة يقسم الربح فيها على حسب النسبة المتفق عليها منه، وهذا مجمع عليه، قال ابن المنذر: “وأجمعوا على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح، أو نصفه أو ما يجتمعان عليه، بعد أن يكون ذلك معلوما جزءا من أجزاء”[4].
وأمَّا في حال الخسارة فإن صاحب المال يتحمّل ما خسر من ماله، ولا يتحمل فيها العامل شيئا، لأنه حينئذ يخسر جهده الذي عمله؛ لأنَّ رأس ماله عمله، ويكون شريكا لرب المال في الربح إن وجد.
هذا في حال الخسارة في المضاربة الصحيحة، وأما الخسارة في حالة المضاربة الفاسدة فإن صاحب المال يتحمّل ما خسر من ماله، وأما العامل فقد اختلف الفقهاء فيما يستحقه على رأيين:
الرأي الأول: أن المضاربة ترد إلى الإجارة فتكون الخسارة على صاحب المال، وعليه للعامل أجرة المثل، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الأحناف، والشافعية، والحنابلة، قال ابن غانم الحنفي في “مجمع الضمانات”: “ومن شروطها –أي المضاربة- أن يكون الربح بينهما مشاعا لا يستحق أحدهما دراهم مسماة فإن شرط زيادة عشرة فله أجر مثله لفساده والربح لرب المال، وهذا هو الحكم في كل موضع لم تصح المضاربة، ولا يجاوز بالأجر المقدر المشروط، ويجب الأجر، وإن لم يربح في رواية الأصل”[5].
وقال السمرقندي الحنفي: “وقَالَ مُحَمَّدٌ: أما أنا فأعطيه أجر مثله بالغاً ما بلغ ربح شيئاً أو لم يربح، وإن هلك الثوب فهو ضامن”[6].
وقال الخطيب الشربيني الشافعي: ” (وإذا فسد القراض نفذ تصرف العامل) للإذن فيه كما في الوكالة الفاسدة، وليس كما لو فسد البيع لا ينفذ تصرف المشتري؛ لأنه إنما يتصرف بالملك، ولا ملك في البيع الفاسد، هذا إذا قارضه المالك بماله. أما إذا قارضه بمال غيره بوكالة أو ولاية فلا كما قاله الأذرعي، (والربح) كله حين الفساد (للمالك)؛ لأنه نماء ملكه، وعليه الخسران أيضا، (وعليه للعامل أجرة مثل عمله) وإن لم يكن ربح؛ لأنه عمل طامعا في المسمى، فإذا فات وجب رد عمله عليه، وهو متعذر فتجب قيمته وهي الأجرة”[7].
وقال المرداوي الحنبلي: “وإن فسدت فالربح لرب المال، وللعامل الأجرة) خسر أو كسب. وهذا المذهب. وعليه أكثر الأصحاب. ونص عليه. وجزم به في الوجيز، والهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب. وقدمه في المغني، والشرح، والفروع، والرعايتين، والحاوي الصغير، والنظم، والخلاصة”[8].
والرأي الثاني: أنه إذا خسر المال أو لم يربح شيئا، أن الخسارة على صاحب المال ولا شيء للعامل، إجراء لها مجرى الصحيح، وهو مذهب المالكية، ورأي أبي يوسف من الحنفية، ووجه ضعيف عند الشافعية:
قال القاضي عبد الوهاب المالكي في “الإشراف”: ” إذا لم يكن ربح لا يستحق العامل شيئا على رب المال مع الفساد، لأن جهة الاستحقاق لم تحصل به”[9].
وعلله بعض المالكية بتعليل آخر بأنّ فيها أجرة المثل ولكنها تسقط بذهاب الربح، وهو قول ابن حبيب، وما قاله عبد الوهاب، وما قاله القاضي عبد الوهاب هو الأصل”[10].
وأما قول أبي يوسف فقال الإمام أبو الليث السمرقندي: “وقَالَ أَبُوْ يُوْسُفَ: فإن ربح فيه درهماً فله أجر مثله ولا أجاوز به نصف الربح، وإن لم يربح شيئاً فلا أجر له”[11].
ووجه الشافعية حكاه الخطيب الشربيني فقال: “وقيل: لا يستحق أجرة عند عدم الربح، وهو القياس؛ لأن القراض الصحيح لا يستحق فيه شيئا عند عدم الربح”[12].
والراجح للفتوى هو الرأي الثاني القائل بعدم استحقاقه شيئا عند الخسارة، لأن صحيح المضاربة لا يستحق فيها شيئا إجماعا، ففي الفاسدة أولى، ولذلك قال الخطيب الشربيني: إنه القياس.
وعليه فإنَّ الخسارة في المضاربة الفاسدة تقع على صاحب المال، واختلف الفقهاء فيما يستحقه العامل فيها، والقول بعدم استحقاقه شيئا إجراء لها مجرى الصحيح هو المختار للفتوى، والموافق لغرض المتعاقدين.
والله تعالى أعلم
[1] [المزمل: 20].
[2] الفقه الإسلامي وأدلته، للزحيلي (5/ 3923).
[3] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 21).
[4] الإجماع، لابن المنذر (ص: 102).
[5] مجمع الضمانات، لابن غانم الحنفي (ص: 304).
[6] عيون المسائل، للسمرقندي الحنفي (ص: 396).
[7] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (3/ 408).
[8] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي (5/ 430).
[9] الإشراف على نكت مسائل الخلاف، لابن نصر (2/642).
[10] الجامع لمسائل المدونة، للصقلي (15/ 645).
[11] عيون المسائل، للسمرقندي الحنفي (ص: 396).
[12] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (3/ 408).


