السؤال
أنا صاحب محل تجاري، جاءني رجل مشهور عنه التجارة في المخدرات وخلافه، وعرض عليَّ عرضًا مغريًا بأن يشاركني في البضاعة بمبلغ كبير وأمتلكه مقابل أخذ نسبة 50% من الأرباح مدة ثلاث سنوات فقط، وسنحرر عقدًا بذلك، فما حكم الشرع؟
الجواب
لا يجوز شرعًا مشاركة هذا الشخص -المعروف عنه العمل في معاملات مشبوهة- في أي تجارة، ولو كانت مباحة؛ لأن المشاركة في التجارة ليست مقصودة لأجل تنمية المال، وإنما هي وسيلة لإضفاء صورة المشروعية على مصدر المال الخبيث، وفي ذلك إعانة على الإثم، وإفساد للمجتمع.
التأصيل الشرعي
حرمت الشريعة كل ما يؤدي إلى زوال العقل، أو الإخلال بقدراته، فهو مناط التكليف الذي شرف الله الإنسان به، لذلك كان تعاطي المخدرات والاتجار بها والترويج لها من أشدّ المحرمات، قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[1].
وإذا ثبت حرمة الانتفاع بالمخدرات؛ فإنه يحرم المال المكتسب منها، لما رُوِيَ عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»[2].
ومن ثمَّ؛ فقد نصَّ جمهور الفقهاء على حرمة التعامل مع من كل ماله من الحرام، وكراهة التعامل مع من اختلط ماله بالحرام مع غلبته.
قال الدسوقي المالكي: “اعلم أن من أكثر ماله حلال وأقله حرام: المعتمد جواز معاملته ومداينته والأكل من ماله كما قال ابن القاسم خلافا لأصبغ القائل بحرمة ذلك، وأما من أكثر ماله حرام والقليل منه حلال: فمذهب ابن القاسم كراهة معاملته ومداينته والأكل من ماله وهو المعتمد خلافا لأصبغ المحرم لذلك، وأما من كان كل ماله حرام وهو المراد بمستغرق الذمة فهذا تمنع معاملته ومداينته ويمنع من التصرف المالي وغيره”[3].
وقال الإمام النووي الشافعي: “وتكره مبايعة من اشتملت يده على حلال وحرام، وسواء كان الحلال أكثر، أو بالعكس، فلو باعه: صح”[4].
وهو ما ينسحب أيضًا على الشركة، قال الشيخ قليوبي الشافعي: “(وتصح الشركة) وإن كرهت كشركة ذمي وآكل الربا ومن أكثر ماله حرام”[5].
وهذه المعاملة ليست مقصودة لذاتها وإنما هي صورة من صور جريمة غسيل الأموال المحرمة شرعًا وقانونا، والتي تعني: عملية تحويل الأموال المكتسبة من أنشطة غير مشروعة (مثل تجارة المخدرات) إلى أموال تبدو وكأنها شرعية، وذلك بهدف إخفاء مصدرها غير القانوني، أو هي كما عرفها القانون المصري بأنها: “كل فعل ينطوي على اكتساب أموال من نشاط إجرامي، أو إخفاء مصدرها غير المشروع، أو تحويلها، أو استخدامها في أنشطة أخرى”[6].
وهو ما يتبين من الواقعة محل السؤال، ذلك أن العرض المقدم من ذلك الشخص المشهور بتجارته في المخدرات، والذي يطلب فيه المشاركة بماله في تجارة مشروعة، يندرج بشكل مباشر تحت غسيل الأموال، وهو ما حرمته الشريعة الإسلامية، لأن فكرة غسيل الأموال تقوم على إخفاء مصدر المال الحرام، والشريعة الإسلامية تحرم هذا المال من أساسه.
كما أن مشاركة الشخص في هذه العملية -حتى لو كانت التجارة في المباحات- تُعد نوعًا من الإعانة على الإثم والعدوان، لأنها تساعد ذلك الشخص على إخفاء جريمته، وتمنحه الفرصة لاستثمار أمواله ذات المصدر غير المشروع، وقد قال تعالى: {وَتعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتقْوَى وَلَا تعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[7].
كذلك فإن غسيل الأموال يترتب عليه مفاسد اقتصادية واجتماعية خطيرة، منها: إفساد الأسواق، والمنافسة غير العادلة، وانتشار الجرائم المنظمة، والشريعة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة للمجتمع، ومن القواعد المرعيّة في الشريعة الإسلامية أن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة[8].
وعليه؛ فإنه لا يجوز شرعًا مشاركة هذا الشخص -المعروف عنه العمل في معاملات مشبوهة- في أي تجارة، ولو كانت مباحة، لما فيه من الإعانة على الإثم، والإفساد للمجتمع.
والله تعالى أعلم
[1] [المائدة: 90].
[2] أخرجه ابن حبان في “صحيحه” (3173).
[3] حاشيته على الشرح الكبير (3/ 277).
[4] روضة الطالبين (3/ 418)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي الحنفي على مراقي الفلاح (ص: 35)، الإنصاف، للمرداوي الحنبلي (8/ 322).
[5] حاشيته على كنز الراغبين شرح منهاج الطالبين (2/ 418).
[6] القانون رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته بشأن مكافحة غسيل الأموال.
[7] [المائدة: 2].
[8] الأشباه والنظائر، ابن نجيم الحنفي (ص: 78)، الأشباه والنظائر، السيوطي الشافعي (ص: 87).


