عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما أخذَ بعد ذلك فهو غُلولٌ» أخرجه أبو داود[1].
معاني المفردات
الغلول: -بضم الغين واللام- الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفية فقد غل وسميت غلولا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة.
استعملناهُ على عَمَلٍ: أي عيناه للقيام بوظيفة.
فرزقْناهُ رزقاً: أي أعطيناه أجرًا.
فقه الحديث
في هذا الحديث ينبّه النبي –صلى الله عليه وسلم- من استعمله في عمل من أعمال الإمارة كالقضاء، والجهاد وجمع الصدقة، وغيرها مما استحق فيها أجرة من بيت المال، فأخذ أجرته ورزقه وهذا حلال له، فما أخذ غير ذلك زيادة على ما استحقه من بيت مال المسلمين، فهو خيانة وسرقة محرمة.
فيجب على من وكل إليه أمر من أمور المسلمين أن يراقب الله تعالى، وليحذر من الرشوة وما تسمّى منها باسم غيرها كالهدية ونحو ذلك، وليعلم أنه إن خفي على الناس فلا يخفى على الله تعالى.
وعلي ذلك: فالهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة، ما لم تكن له عادة قبل توليه القضاء، وانتفت شبهته بأن لم تكن عنده قضية منظورة عنده، قال الشوكاني: “لأن المهدي إذا لم يكن معتادًا للإهداء إلى القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض، وهو إما التقويّة به على باطله، أو التوصل بهديته له إلى حقه، والكلّ حرام كما تقدم، وأقلّ الأحوال أن يكون طالبًا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة على خصومه أو الأمن من مطالبتهم له فيحتشمه من له حقّ عليه ويخافه من لا يخافه قبل ذلك، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما آلت إليه الرشوة، فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه، المستعدُّ للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء، فإنَّ للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولةٌ على حبِّ من أحسن إليها؛ فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلًا يؤثر الميل عن الحقّ عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك ويظنّ أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرشوة لا تفعل زيادةً على هذا”[2].
وعلى المرء أن يحتاط لنفسه ودينه، ولذلك امتنع الصالحون من قبول الهدايا بعد القضاء مطلقا حتى ممن كانت له عادة قبلها، قال الشوكاني حاكيا عن نفسه بعد تولّيه القضاء: “ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إليّ قبل الدخول فيه بل من الأقارب فضلًا عن سائر الناس، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه، أسأل الله أن يجعله خالصًا لوجهه”[3].
وكل من ولّاه الله تعالى عملا من الأعمال واستحق منه راتب فليحذر من التحايل في أخذ أموال الناس بالباطل، فإنه مما عمّ وانتشر في كل المؤسسات والمصالح حتى صار متعارفا غير مستنكر، ولا تقضى لأحد أمرا إلا ببذل مال فإنه غلول كما أخبرنا بذلك نبيّنا -صلى الله عليه وسلم- فاحذر أخي المسلم من ذلك فإنّه باب شرّ مستطير في الدنيا والآخرة قد تهاون به الناس.
[1] أخرجه أبو داود (2943).
[2] نيل الأوطار (15/ 441).
[3] السابق نفسه.


