الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالصرفحكم الوساطة في تغيير عملات مشبوهة المصدر مقابل الحصول على عمولة كبيرة

حكم الوساطة في تغيير عملات مشبوهة المصدر مقابل الحصول على عمولة كبيرة

رقم الفتوي:
480

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أنا أعمل في مجال السمسرة في العملات، وعرض عليَّ بعض سيء السمعة المالية أن يعطيني أموالًا بالعملة المحلية على أن أحولها له إلى عملات أخرى، كالدولار مثلًا، وسيعطيني عمولة كبيرة مقابل ذلك، فهل تعاملي مع هذا الشخص جائزٌ شرعًا؟

الجواب

لا يجوز شرعًا معاملة هذا الشخص المعروف عنه الانخراط في معاملات مشبوهة؛ لما فيه من الإعانة على الإثم، والإفساد للمجتمع، كما أن المتاجرة في العملات خارج الإطار القانوني من الأمور المجرمة قانونًا، والمحرمة شرعًا لما فيه من الافتيات على سلطة ولي الأمر، كذلك فإن هذه المعاملة تُعدُّ من صور جريمة غسيل الأموال المنهيِّ عنها شرعًا وقانونًا.

التأصيل الشرعي

يُقصد بالمتاجرة في العملات: أنها عملية شراء العملات لبيعها بقصد الربح[1].

والعملات الورقية: هي نقود اعتبارية فيها صفة الثمنية كاملة، ولها الأحكام المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا وسائر الأحكام الأخرى[2]، ذلك أن هذه العملات قد فشت بين الناس، وحلت محل الذهب والفضة في التعامل، فبعضها يعتبر سندًا على البنك، وبعضها الآخر يعتبر قيمة مستقلة بذاته، كالدولار.

وبيع عملة بأخرى يسمى عند الفقهاء بعقد الصرف، وقد نصَّ جمهور الفقهاء على أن من شروط ذلك العقد تقابض البدلين من المتعاقدين في المجلس قبل افتراقهما، قال ابن المنذر: “وأجمعوا أن المتصارفين إذا تفرقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد”[3].

ومن ثَمَّ؛ فإنه لا يجوز تأجيل قبض إحدى العملتين عن الأخرى، وإن حصل التأجيل فالعقد باطل، ولا يضر بعد الالتزام بذلك الشرط تفاوت القيمة، إذ أن الجنس قد اختلف، والأصل في هذا ما رُوي عن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدًا بيد»[4].

إلا أنه يجب أن يلاحظ أن ذلك كله مقيد بتجويز ولي الأمر لذلك النوع من المعاملات، إذ أن طاعته واجبة فيما لا نصَّ فيه، فإذا رأى منعه صار الأمر على الحرمة، وهو ما تحقق بالقانون الصادر بتنظيم البنك المركزي والجهاز المصرفي، حيث نصَّ المشرع فيه على أنه: “للبنوك المعتمدة القيام بكافة عمليات النقد الأجنبي، ويَقتَصِر تصديرُ واستيرادُ أوراق النقد الأجنبي وتصديرُ العملات الأجنبية على البنوك المعتمدة بعد موافقة البنك المركزي”[5].

ومن ناحيةٍ أخرى، فقد نصَّ جمهور الفقهاء على حرمة التعامل مع من كل ماله من الحرام، وكراهة التعامل مع من اختلط ماله بالحرام مع غلبته.

قال الدسوقي المالكي: “اعلم أن من أكثر ماله حلال وأقله حرام: المعتمد جواز معاملته ومداينته والأكل من ماله كما قال ابن القاسم خلافا لأصبغ القائل بحرمة ذلك، وأما من أكثر ماله حرام والقليل منه حلال: فمذهب ابن القاسم كراهة معاملته ومداينته والأكل من ماله وهو المعتمد خلافا لأصبغ المحرم لذلك، وأما من كان كل ماله حرام وهو المراد بمستغرق الذمة فهذا تمنع معاملته ومداينته ويمنع من التصرف المالي وغيره”[6].

وقال الإمام النووي الشافعي: “وتكره مبايعة من اشتملت يده على حلال وحرام، وسواء كان الحلال أكثر، أو بالعكس، فلو باعه: صح”[7].

كذلك فإن هذه المعاملة تُعدُّ من صور جريمة غسيل الأموال المحرمة شرعًا وقانونًا، والتي تعني: عملية تحويل الأموال المكتسبة من أنشطة غير مشروعة إلى أموال تبدو وكأنها شرعية، وذلك بهدف إخفاء مصدرها غير القانوني، أو هي كما عرفها القانون المصري بأنها: “كل فعل ينطوي على اكتساب أموال من نشاط إجرامي، أو إخفاء مصدرها غير المشروع، أو تحويلها، أو استخدامها في أنشطة أخرى”[8].

وعليه؛ فإنه لا يجوز شرعًا معاملة هذا الشخص المعروف عنه العمل في معاملات مشبوهة؛ لما فيه من الإعانة على الإثم، والإفساد للمجتمع، كما أن المتاجرة في العملات خارج الإطار القانوني من الأمور المجرمة قانونًا، والمحرمة شرعًا لما فيه من الافتيات على سلطة ولي الأمر، كذلك فإن هذه المعاملة تُعدُّ من صور جريمة غسيل الأموال المنهيِّ عنها شرعًا وقانونًا.

والله تعالى أعلم

[1] المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (ملحق ج، ص: 70).

[2] المجمع الفقهي، الدورة الثالثة، 1407هـ.

[3] الإجماع (ص: 97).

[4] أخرجه مسلم في “صحيحه” (1587).

[5] المادة 113 من القانون رقم 88 لسنة 2003 وتعديلاته.

[6] حاشيته على الشرح الكبير (3/ 277).

[7] روضة الطالبين (3/ 418)، ويُنظر: حاشية الطحطاوي الحنفي على مراقي الفلاح (ص: 35)، الإنصاف، للمرداوي الحنبلي (8/ 322).

[8] القانون رقم 80 لسنة 2002 وتعديلاته بشأن مكافحة غسيل الأموال.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات