الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالنهي عن التكَسُّب بالكهانة

النهي عن التكَسُّب بالكهانة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “نَهَى عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ”[1].

معاني المفردات

حلوان الكاهن: هو ما يأخذه الكاهن -الذي يخبر عن المغيبات- من أجر على كهانته.

فقه الحديث

الكهانة هي ادعاء علم الغيب، وكانت فاشيةً في الجاهلية وجاء الإسلام بتحريمها، سواء أكانت بأجر أم تبرعًا، وهي من كبائر الذنوب.

والكاهن هو من يخبر بواسطة النجم عن المغيبات في المستقبل بخلاف العرّاف فإنه الذي يخبر عن المغيبات الواقعة كعين السارق ومكان المسروق والضالة[2].

قال الإمام النووي ناقلا عن الخطابي: “إن الكاهن هو الذي يدعي مطالعة علم الغيب ويخبر الناس عن الكوائن، قال: وكان في العرب كهنة يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور فمنهم من يزعم أن له رفقاء من الجن وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم أعطيه، وكان منهم من يسمى عرَّافا وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها كالشيء يسرق فيعرف المظنون به السرقة، وتتهم المرأة بالريبة فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك من الأمور، ومنهم من كان يسمي المنجم كاهنًا، قال: وحديث النهي عن إتيان الكهان يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم”[3].

ومثله في الحرمة كل ما يتوصل به إلى ادعاء معرفة الغيب بغير وحي، قال الشنقيطي: “لما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله، كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين، وبعض منها يكون كفرًا، ولذا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة، والكهانة، والعرافة، والطرق، والزجر، والنجوم، وكل ذلك يدخل في الكهانة؛ لأنها تشمل جميع أنواع ادعاء الاطلاع على علم الغيب”[4].

وقد ظهر في عصرنا الحاضر أنواعٌ كثيرة من الدجل والكهانة، واتخذ الدجالون والكهان والعرافون أسماءً وألقابًا تجعل عموم الناس ينخدع لهم، وذلك نحو: (المعالج الروحاني – الراقي – المعالج بالطاقة)، وغير ذلك، حتى أصبحت الكهانة وسيلة من وسائل الاستيلاء على أموال الآخرين.

ومع ظهور وسائل الإعلام الحديثة وتطبيقات التواصل الاجتماعي، اتخذ التنجيم في عصرنا الحاضر صورًا تختلف أكثرها عن صور التنجيم في الماضي، ووسائل تختلف أكثرها عن وسائل المتقدمين، جعلت للتنجيم انتشارًا سهلًا بين عامة الناس، ومن هذه الوسائل المستخدمة المواقع الإلكترونية.

فقد انتشر في العصر الحالي عدة مواقع على شبكة الإنترنت بأسماء مختلفة لعدد من الدجالين والكهان والعرافين، وهذه المواقع تقدم خدماتها بأسعار محددة، بحيث يدخل رواد هذه المواقع على قائمة الخدمات، فيختار الشخص ما يحتاج إليه أو يجذبه من تلك الأمور، وبعدها يقوم بدفع مبلغ مالي مقابل هذه الخدمة، وكل ذلك يعد من الكسب الخبيث وهو يدخل في النهي عن حلوان الكاهن، قال الإمام النووي: “وأما حلوان الكاهن: فهو ما يعطاه على كهانته، يقال منه حلوته حلوانا إذا أعطيته، قال الهروي وغيره: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا في مقابلة مشقة … قال البغوي من أصحابنا والقاضي عياض: أجمع المسلمون على تحريم حلوان الكاهن؛ لأنه عوض عن محرم، ولأنه أكل المال بالباطل”[5].

وكما تحرم أجرة الكهانة تحرم أجرة تعلمها وتعليمها، قال الخطيب الشربيني: “ويحرم أيضاً تعليم أو تعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والحصى والشعير والشعبذة ويحرم إعطاء العوض أو أخذه عنها بالنص الصريح في حلوان الكاهن والباقي بمعناه”[6].

فعلى المسلم أن يجتنب هؤلاء الدجالين الذين يسعون في الأرض فسادًا، ولا يصدقهم سواء أسمعهم قصدًا أو مصادفة، ولا ينقل من أخبارهم شيئًا، ويتعوّذ بالله من شرورهم، فإنّ الغيب لله وحده، وقد علّم المولى سبحانه رسوله فقال: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188].

 

[1] – أخرجه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة في المصنف (23527) بإفراد النهي عن حلوان الكاهن، وأصله في البخاري (2083) ومسلم (2930) مع النهي عن ثمن الكلب ومهر البغي.

[2] انظر: شرح النووي على مسلم (10/ 231)، وتفسير الخطيب الشربيني (1/82).

[3] شرح النووي على مسلم (10/ 232).

[4]  أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 482)

[5] شرح صحيح مسلم بن الحجاج، للنووي (10/ 231).

[6] السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير (1/82).

مقالات ذات صلة

الجمع بين ربوي وغيره في عقد واحد

عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا، فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ...

التكسب من الوظائف العامة

عَنْ عبدِ الله بن بُريدةَ عن أبيه –رضي الله عنه- عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنِ استعملناهُ على عَمَلٍ فرزقْناهُ رزقاً فما...

 التكسب من مهنة الحجامة

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ" رواه ابن ماجه. وعَنْ رَافِعِ بْنِ...

الأكثر قراءة