السؤال
عندي محلات ذهب ولنا صفحة وموقع على الإنترنت فما حكم بيع منتجات المحل كالخواتم والسلاسل والحلقان من خلال عرضها بالصور، مع بيان الوزن والعيار والمصنعية، فإذا اختارها المشتري حوّل المبلغ على الحساب، وله أن يستلمها من أي فرع أو ترسل إليه على العنوان المحدد إن أراد؟
الجواب
لا مانع شرعًا من بيع مشغولات الذهب والفضة بالطريقة المذكورة، وهو مذهب بعض العلماء؛ لأن الذهب والفضة في هذه الحالة قد خرجا بالصنعة عن كونهما نقدًا إلى كونهما حلى وزينة ومشغولات، فيُنظر إليهما كباقي السلع التي يجوز بيعها حالة ومؤجلة ومقسطة.
التأصيل الشرعي
البيع عن طريق المواقع الإلكترونية وصفحات البيع الإلكتروني يعتبر أمرًا جائزًا شرعًا، بشرط أن يكون البائع مالكًا للسلعة التي يرغب المشتري في شرائها، وأن يكون خاليا من المعاملات المنهي عنها شرعا، فالسلع المباحة شرعا لا حرج في بيعها عبر المواقع الالكترونية، ولكن هناك من البيوع ما يشترط فيه التقابض في المجلس، وهو بيع الذهب والفضة، فقد أجاز الشرع الشريف بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة لكن بشرطين:
الشرط الأول: عدم وجود زيادة في أحد البدلين.
الشرط الثاني: عدم تأخير قبض أحد البدلين.
والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ”[1]
وجمهور الفقهاء على أن الذهب والفضة يعدا من الأثمان التي تقدر بهما الأشياء ويكونا وسيطًا للتبادل، لذا يشترط فيهما التماثل عند البيع والشراء سواء كانا في شكل حلى أو في شكل نقود، فلا عبرة عندهم بدخول الصنعة فيه؛ قال الإمام الزيلعي: “لأن قوله – عليه الصلاة والسلام – فيما رواه البخاري ومسلم «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل» الحديث يدل على تضييق تحصيله؛ لأن الابتداء بالنهي مشعر بأن حرمة البيع أصل فيه والجواز معارض وهو التقابض والمساواة مخلص إذ لو اقتصر على قوله «لا تبيعوا» لما جاز بيعه وتعليق جوازه بشرطين يدل على عزته وخطره كملك البضع ضيق تحصيله باشتراط الشهود والمهر لعزته وخطره فيعلل بعلة تناسب العزة وهي الطعم في المطعومات لبقاء الأنفس به والثمنية في الأثمان لبقاء الأموال التي هي مناط مصالحها بها ولا أثر للجنسية والقدر في زيادة العزة والخطر لوجودهما في خطير وحقير، لكن الحكم لا يثبت إلا عند اتحاد الجنس فجعلناه شرطا والحكم يدور مع الشرط”[2].
ولذلك فإن العلة عند جمهور الفقهاء في الذهب والفضة هي الثمنية، أي كونهما أثمانا تقدر بهما قيم الأشياء، ويكونان وسيطا للتبادل في المعاملات.
وقد حمل جمهور العلماء النهي على جميع الذهب والفضة سواء كانا مصوغين حليا أو مسكوكين نقودا، وشرطوا التماثل في بيعهما بجنسيهما، ولم يعتبروا قيمة الصنعة.
بينما يرى بعض العلماء منهم الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الذهب المصاغ حليا يخرج بالصنعة عن كونه نقدا ويصير من جملة العروض الذي يُقوَّم بالنقد ويباع ويشترى شأنه شأن غيره، دون اشتراط الحلول والتقابض والمماثلة.
وعلى ذلك فإن الذهب والفضة اللذين دخلتهما الصنعة كالحلي ونحوه لا يعدا نقودا، بل صارا سلعة شأنهما في البيع والشراء كأي سلعة من السلع، أي لا يشترط فيها التقابض عند البيع والشراء؛ قال ابن القيم: “الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان، ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، فإن هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها، ولا يدخلها: (إما أن تقضي وإما أن تربي) إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل، ولا ريب أن هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر”[3]
والذي نختاره للفتوى هو أن الذهب والفضة في شكل الحلي صارا كأي سلعة من السلع حيث يجوز بيعهما حالا أو مؤجلًا، فلا يشترط في المتاجرة في الحلي -ذهبا أو فضة- المماثلة أو التقابض، وذلك أنفع للناس وأرفق بهم في معاملاتهم.
وعلى هذا فيجوز بيع وشراء الذهب عبر الإنترنت ودفع قيمته إلكترونيا مع تأخير التسلم من الفرع أو إرسالها إلى العنوان المدون.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه البخاري في “صحيحه” (2177).
[2] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (4/ 86).
[3] إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (2/ 108).


