السؤال
أعمل مهندس ديكور، وغالبًا ما تأتيني أعمال في تجهيز مواقع تصويرٍ لتمثيل أفلام سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية وما شابه ذلك، فهل هذا العمل جائزٌ شرعًا؟
الجواب
يجوز العمل في تجهيز مواقع التصوير لتمثيل الأفلام أو المسلسلات وما شابه ذلك؛ لأن ذات العمل منفصل عن التمثيل والتصوير، إلا إذا تيقنت أن موضوع ذلك العمل السينمائي أو المسرحي به مخالفات شرعية متعمدة كدعوة لعقائد مخالفة للإسلام أو كانت تنشر الفاحشة بالتبرج الفاحش وتهييج الغرائز بمشاهد جنسية فيحرم، لأن العمل حينئذ موصل إلى حرام، وحرمته لأمرٍ خارجٍ عنه، وهو مساعدته على المحرم، وإذا شككت أو لم تطلع على العمل أو لم تتمكن من ذلك، فلا حرج عليك عملا بالأصل.
التأصيل الشرعي
كلمة ديكور هي كلمة فرنسية الأصل (décor Le) وتعني تجهيز أو اعداد المكان بما يتناسب مع نوعية الاستخدام المطلوب، ومصطلح التمثيل يُطلق على تقمّص أدوار الشخصيات في فيلم، أو مسرحيّة، أو برنامج تلفزيوني، أو إذاعي[1].
ومن المقرر في الشريعة الإسلامية أن الأصل في العمل الإباحة إلا ما ورد النهي عنه بدليل شرعيٍ، أو كان مشتملًا على محاذير شرعية، قال السيوطي: “قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم، هذا مذهبنا… ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، ويعضد الأول قوله صلى الله عليه وسلم: «ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن”[2].
وأعمال الديكور هي من الأعمال المساعدة لمهنة التمثيل السينمائي والمسرحي، ومن القواعد المرعيّة في الشريعة الإسلامية أن الوسائل تأخذ حكم المقاصد الموصلة إليها، فكل وسيلة موصلة إلى محرم ومعصية تكون محرمة قطعًا؛ لأن فيها إعانة على الحرام، وحلالها حلال كذلك، لقوله تعالى: {وَتعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتقْوَى وَلَا تعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[3].
والحرام إما أن يكون محرمًا لذاته، وإما أن يكون محرمًا لغيره، قال الشيخ عبد الوهاب خلَّاف: “المحرم قسمان، محرم أصالة لذاته: أي أنه فعلٌ حكمه الشرعي التحريم من الابتداء، كالزنا والسرقة والصلاة بغير طهارة… وغير ذلك مما حُرِّمَ تحريمًا ذاتيًا لِمَا فيه من مفاسد ومضار، فالتحريم واردٌ ابتداءً على ذات الفعل، ومحرمٌ لعارض: أي أنه فعلٌ حكمه الشرعي ابتداءً الوجوب أو الندب أو الإباحة، ولكن اقترن به عارضٌ جعله محرمًا، كالصلاة في ثوب مغصوب، والبيع الذي فيه غش… وغير ذلك لِمَا عرض له التحريم لعارض، فليس التحريم لذات الفعل ولكن لأمرٍ خارجي، أي أن ذات الفعل لا مفسدة فيه ولا مضرة، ولكن عرض له واقترن به ما جعل فيه مفسدة أو مضرة”[4].
وعليه فالحرمة في عمل الديكور ليست لذاته بل عند التوصل به إلى محرم وهو المعروف بـقاعدة: “سد الذرائع” وقد حررها التقي السبكي كما نقله عنه ولده التاج بقوله: “الذريعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقطع بتوصله إلى الحرام؛ فهو حرام عندنا وعند المالكية.
والثاني: ما يقطع بأنها لا توصل ولكن اختلطت بما يوصل فكان من الاحتياط سد الباب وإلحاق الصورة النادرة التي قطع بأنها توصل إلى الحرام فالغالب منها الموصل إليه، قال الشيخ الإمام: وهذا غلو في القول بسد الذرائع.
الثالث: ما يحتمل ويحتمل، وفيه مراتب تتفاوت بالقوة والضعف ويختلف الترجيح عند المالكية بسبب تفاوتها، وقال: ونحن نخالفهم في جميعها إلا في القسم الأول، لانضباطه وقيام الدليل عليه.
قلت: أما موافقتهم في القسم الأول فواضحة؛ بل نحن نقول في الواجبات بنظيره؛ ألا ترانا نقول: ما لم يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب “فبطريق الأولى أن نحرم ما يوقع في الحرام.
وأما مخالفتهم في القسم الثاني: فكذلك، وما أظن غير المالكية يذهب إليه ولا أظنهم يتوقفون عليه”[5]
فالأصل أن العمل في مجال الديكور على الإباحة، لأنها تجهيز وإعداد لأماكن العمل، ولا علاقة لها بما ينفذ فيها، ولا تخرج عن ذلك إلا إذا تيقن أن أعمال التمثيل والعمل السينمائي أو المسرحي به مخالفات شرعية متعمدة كدعوة لعقائد مخالفة للإسلام أو كانت تنشر الفاحشة بالتبرج الفاحش وتهييج الغرائز بمشاهد جنسية فيجتنبه حينئذ؛ لأن العمل حينئذ موصل إلى حرام، وحرمته لأمرٍ خارجٍ عنه، وهو مساعدته على المحرم، وإذا شككت أو لم تطلع على العمل أو لم تتمكن من ذلك، فلا حرج عليك عملا بالأصل، ولا يخفى عليك سبيل الاحتياط ويكون بالتحري قدر الإمكان عن العمل قبل التعاقد.
والله تعالى أعلم
[1] Actor, Cambridge Dictionary.
[2] الأشباه والنظائر (ص:60).
[3] [المائدة: 2].
[4] علم أصول الفقه (ص 113).
[5] الأشباه والنظائر للسبكي (1/120).


