السؤال
– لقد وصلت لحالة الإفلاس النقدي ونفذت كل مدخراتي ولا يوجد لدي نقد لأصرف على نفسي وعائلتي وتسديد التزامات الحياة وتسديد اقساط مدارس وجامعات الأولاد
– يوجد لدي شقة وسيارة املكها ولا أستطيع بيعهما لأنهما ضروريات الحياة بيعهما يرتب علي التزامات مالية مثل ايجار شقة و مصاريف تنقل وكذلك بيعهما بمثابةً تدمير لحياتي ومستقبلي أنهما من الضروريات
– اعمل موظف وراتبي الحالي قليل جدا لا يكفي لتغطية الالتزامات المالية المتزايدة والمذكورة أعلاه وعند تقاعدي قريبا سأحصل على نصف الراتب مما يزيد الأعباء المالية المستحقة
– سوف اقترض من البنوك الربوية ولا تقرضني البنوك الإسلامية لتغطية التزاماتي المالية وايضاً لا يوجد مبلغ متبقي من الراتب لاسدد أقساطها
– سوف ارهن السيارة أو الشقة لبنك ربوي مما يدمر وضعي المالي
– أنني مفلس ماليا ولا يوجد نقد لتغطية المصاريف المتبقية بعد صرف الراتب
– هل هنا مصطلح الضرورة تبيح المحظورات يقع علما لا اعرف احد يقرضني ولا توجد لي مصادر دخل غير راتبي ووصلت لحالة الفقر الشديد؟
الجواب
لا يجوز الاقتراض بفائدة لأنه من الربا المحرم، ولكن إذا ترتب على عدم الاقتراض مفسدةٌ محققةٌ أعظم من الاقتراض، بحيث تهلك أو تقارب الهلاك أو تقع في حرج شديد فحينئذٍ، يجوز لك الاقتراض، ولكن بقدر ما يُذهب حالة الاضطرار فقط، لأن حالة الضرورة تقدر بقدرها ولا يتجاوزها، وعليك أن ترشد نفقاتك قدر الإمكان، ولا تنفق أموالك على الكماليات والترفيهيات.
التأصيل الشرعي
من المقرر شرعًا أن الربا محرم قطعًا، وهو من كبائر الذنوب، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟، قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ»[1].
والقرض شرعا يرد بمثله فإذا كان بفائدة مشروطة فهو ربا محرم؛ فإنه لا يجوز اشتراط المنفعة في القرض، وإلا صارت من الزيادة غير الجائزة شرعًا، لما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلُّ قرضٍ جَرَّ مَنفعةً فَهوَ ربًا»[2].
قال الخطيب الشربيني الشافعي: “(ولا يجوز) الإقراض في النقد وغيره (بشرطٍ) جرَّ نفع للمقرض، كشرط (رد صحيح عن مكسر، أو) رد (زيادة) أو رد جيد عن رديء، ويفسد بذلك العقد على الصحيح، لحديث: «كل قرض يجر منفعة فهو ربا» …والمعنى فيه: أن موضوع العقد الإرفاق، فإذا شرط فيه لنفسه حقا خرج عن موضوعه فمنع صحته”[3].
أما عن حالة الضرورة المسؤول عنها والتي تبيح الاقتراض بفائدة محرمة شرعًا، فضابطها: أن يترتب على عدم الاقتراض مفسدة أعظم من الربا، وقد ذكر العلَّامة الزركشي تفصيل ذلك، فقال: “فائدة: جعل بعضهم المراتب خمسة: ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول.
فالضرورة: بلوغه حدًا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب، كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعًا أو عريانًا لمات، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم.
والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل: لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرم”[4].
إلا أن المقرر عند عامة الفقهاء أن الضرورة تقدر بقدرها، فمن اضطر إلى شيءٍ محرم، فلا يجوز له أن يأخذ منه إلا بقدر ما يدفع به حالة الاضطرار فقط[5].
وعليه: فإنه لا يجوز لك الاقتراض بفائدة إلا إذا ترتب على عدم الاقتراض مفسدةٌ محققةٌ أعظم من الاقتراض بفائدة، لما هو مقررٌ شرعًا أن دفع المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح، فحينئذٍ يجوز الاقتراض، بشرط التقيد بقدر الضرورة، وألا يُزاد عليها.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (6465).
[2] أخرجه ابن حجر العسقلاني في “بلوغ المرام” (864).
[3] مغني المحتاج (3/ 33 – 34).
[4] المنثور في القواعد الفقهية (2/ 319 – 320)
[5] مرجع سابق (2/ 320).


