السؤال
أنا لي جار مدين بمبلغ ولا يستطيع الوفاء به إلا ببيع عقار له (وهو يسمى عندنا ببيع الزنقة) وهو لأجل الحاجة عرضه بسعر مخفض عن سعر السوق فما حكم مساومته فأشتريه بأقل من ذلك وهو تقريبا بأقل من نصف سعره سوقيا، فما حكم الشراء منه بهذه الطريقة؟، فقد سمعت أن الشراء في هذه الحالة لا بركة فيه؟
الجواب
يجوز لك الشراء منه ما دام بثمن المثل من غير استغلال منك لحاجته، وأما إذا استغللت حاجته إلى البيع فتضع من ثمن العقار وتبخسه فيه؛ لأجل علمك بضرورته إليه استغلالا منك لحاجته فهذا فعل محرم، فالمسلم أخو المسلم فإذا لم يستطع عونه فلا أقل من أن يبيعه بسعر المثل بلا غبن فاحش، وأما إذا نقص منه البائع اختيارا لأجل سرعة البيع فلا حرج ويستحب مع ذلك أن تأخذه بثمن المثل إعانة منك له، وأما إذا ساومته استغلالا لحاجته حتى يكون بالغبن الفاحش فهو محرم، ويثبت للبائع خيار الفسخ إذا أراد الرجوع.
التأصيل الشرعي
هذا ما يسمى ببيع المضطر، وهو الذي يضطر لبيع ما يملك بسبب حاجة إلى قوت نفسه وعياله، أو لزمه دين، أو لزمه مال لفداء نفسه أو قريبه، أو أكره على دفع مال.
فالأصل أن البيع لا يتم إلا بالتراضي بين كل من البائع والمشتري، ولا يمضي هذا البيع إلا برضى البائع والمشتري، فعقد البيع والشراء يدل على رضاهما بالعوض من الطرفين، ولذلك لم يضع الشرع حَدًّا معينًا لمقدار الربح في التجارة بل جعل هذا الأمر بالتراضي بين البائع والمشتري؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[1].
قال الإمام البغوي: “قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بِالْحَرَامِ، يَعْنِي: بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ …{عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أَيْ: بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ”[2].
وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- “إنما البيع عن تراض”.
فهذه النصوص الشرعية تدل على أنَ العبرة بالتراضي، ولم تُحدِّد مقدارا للربح.
وأما الشراء من المضطر للبيع فإن كان بثمن المثل فهو بيع صحيح جائز بلا كراهة على الصحيح، قال ابن حزم الظاهري: “وجدنا كل من يبتاع قوت نفسه وأهله للأكل واللباس فإنه مضطر إلى ابتياعه بلا شك، فلو بطل ابتياع هذا المضطر لبطل بيع كل من لا يصيب القوت من ضيعته – وهذا باطل بلا خلاف، وبضرورة النقل من الكواف وقد ابتاع النبي صلى الله عليه وسلم أصوعا من شعير لقوت أهله، ومات عليه السلام ودرعه مرهونة في ثمنها فصح أن بيع المضطر إلى قوته وقوت أهله، وبيعه ما يبتاع به القوت بيع صحيح لازم، فهو أيضا بيع تراض لم يجبره أحد عليه، فهو صحيح بنص القرآن.
ثم نظرنا فيمن باع في إنقاذ نفسه، أو حميمه، من يد كافر أو ظلم ظالم -: فوجدنا الكافر والظالم لم يكرها فادي الأسير، ولا الأسير، ولا المضغوط على بيع ما باعوا في استنقاذ أنفسهم، أو من يسعون لاستنقاذه وإنما أكرهوهم على إعطاء المال فقط، ولو أنهم أتوهما بمال من قرض، أو من غير البيع ما ألزموهما البيع – فصح أنه بيع تراض”[3].
وأما إن كان مع استغلال حاجته فتضع من ثمنها، ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه بيع صحيح: وهو مذهب الشافعية والمالكية وجمهور الحنابلة والظاهرية، قال المجلسي المالكي: “وأما من اضطره الحق إلى بيع متاعه، أو اضطرته الحاجة والفاقة فلا بأس بالشراء منه بما يجوز التبايع به، انتهى. وفي الدر النثير: ابن عبد البر: بيع المضطر والمضغوط لا يجوز، وهو في معنى من أكره على البيع، والتجارة لا تكون إلا عن تراض، قال: وأما من اضطره الحق إلى بيع متاعه أو اضطرته الحاجة والفاقة فلا بأس بالشراء منه بعا يجوز التبايع به. قاله الرهوني”[4].
وقال الروياني الشافعي: “أن يضطر إلى البيع لدين أو مصادره فيبيع بالوكس للضرورة. فالمستحب أن لا يبتاع على هذا الوجه ولكن يعان ويقرض ويمهل إلى اليسار، فإن عقد جاز في الجملة”[5].
وقال المرداوي الحنبلي: “فوائد؛ إحداها، قوله: أحدها، التراضى به، وهو أن يأتيا به اختيارا. لو أكره على وزن مال، فباع ملكه لذلك، كره الشراء، وصح. على الصحيح من المذهب، والروايتين، وهو بيع المضطر. ونقل حنبل تحريمه وكراهته. واختار الشيخ تقى الدين الصحة من غير كراهة. ذكره عنه فى «الفائق»”[6].
قال الخطابي: “بيع المضطر يكون من وجهين أحدهما أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد لا ينعقد. والوجه الاخر أن يضطر إلى البيع لدين يركبه أو مؤنة ترهقه فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضرورة فهذا سبيله في حق الدين والمروءة أن لا يبايع على هذا الوجه وأن لا يفتات عليه بمثله ولكن يعان ويقرض ويستمهل له إلى الميسرة حتى يكون له في ذلك بلاغ فإن عقد البيع مع الضرورة على هذا الوجه جاز في الحكم ولم يفسخ…إلاّ أن عامة أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه”[7]
الثاني: أنه بيع فاسد: فقد نص فقهاء الحنفية على فساده فقد ذكر السغدي الحنفي في تعداده للبيوع الفاسده فقال: “والثاني عشر: بيع المضطر وهو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو لباس أو غيره ولا يبيعه البائع إلا بأكثر من ثمنه بكثير وكذلك في الشراء منه”[8].
وقال ابن عابدين: “(قوله بيع المضطر وشراؤه فاسد) هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو لباس أو غيرها ولا يبيعها البائع إلا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه كذا في المنح …ومثال لبيع المضطر أي بأن اضطر إلى بيع شيء من ماله ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش”[9].
والثالث: أن له خيار الفسخ: وهو عند غير المشهور عن مالك ورواية عن الإمام أحمد: قال القاضي عبد الوهاب المالكي: “اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله مثل أن يشتري أو يبيع مما يساوي ألف بمائة، فمنهم من نفى أن يثبت الخيار لمغبون منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كانا من أهل الرشاد والبصر بتلك السلع، وإن كان أو أحدهما بخلاف ذلك فللمغبون الخيار.
فإذا قلنا: لا خيار له فلأنه نقص في عين المعقود عليه كالقليل، ولأن المغبون مفرط لأنه كان يجب أن يوكل من يشتري له أو يبيع.
وإذا قلنا: له الخيار فلقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا بعت فقل لا خلابة”، ونهيه عن إضاعة المال، وقوله: “لا ضرر ولا ضرار”، ولأنه نوع من الغبن في الأثمان فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان، ولأنه نقص بثمن المبيع والغبن فكان مؤثرًا في الخيار كالعيب”[10].
وقال ابن رجب الحنبلي: “ومنها في البيع قد ورد النهي عن بيع المضطر، خرجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب أنه خطب الناس، فقال: إنه سيأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه، ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] [البقرة: 137] ويبايع المضطرون، وقد «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر» . وخرجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كان عندك خير تعود به على أخيك، وإلا فلا تزيدنه هلاكا إلى هلاكه» وخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعا أيضا.
وقال عبد الله بن معقل: بيع الضرورة ربا، وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس، فباعه بغبن كثير، لم يجز أيضا. قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه فيما لا يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة، ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك”[11].
وقال ابن مفلح الحنبلي في تعداد شروط البيع: “أحدها: الرضا فإن أكره بحق صح، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء، ويصح على الأصح وهو بيع المضطر، ونقل حرب تحريمه وكراهته، وفسره في روايته فقال: يجيئك محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، ولأبي داود: عن محمد بن عيسى، عن هشيم، عن صالح بن عامر كذا قال محمد قال حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي، أو قال علي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك”[12].
وعلى ذلك: فإنه يجوز لك الشراء منه، لكن هذا شريطة عدم استغلال حاجته إلى البيع فتضع من ثمن العقار وتبخسه فيه؛ لأجل علمك بضرورته إليه استغلالا منك لحاجته فهذا فعل محرم، فالمسلم أخو المسلم فإذا لم يستطع عونه فلا أقل من أن يبيعه بسعر المثل بلا غبن فاحش، وأما إذا نقص منه البائع اختيارا لأجل سرعة البيع فلا حرج ويستحب لك أن تأخذه بثمن المثل إعانة منك له، وأما إذا ساومته استغلالا لحاجته حتى يكون بالغبن الفاحش فهو محرم، ويثبت للبائع خيار الفسخ إذا أراد الرجوع.
والله تعالى أعلم
[1] [النساء: 29].
[2] معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي (2/ 199).
[3] المحلى (7/511)
[4] لوامع الدرر (8/29).
[5] بحر المذهب (5/178).
[6] الإنصاف (11/16).
[7] معالم السنن (3/87).
[8] النتف في الفتاوى (1/468).
[9] حاشية ابن عابدين (5/59).
[10] المعونة على مذهب عالم المدينة (2/ 1049)
[11] جامع العلوم والحكم (2/215: 216).
[12] الفروع مع تصحيح الفروع (6/124).


