الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفقهي معاصرمعاملات البنوكالتحايل على البنك لأخذ تمويل

التحايل على البنك لأخذ تمويل

رقم الفتوي:
421

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

هناك نظام تمويل عقاري تقوم به بعض البنوك في بلادنا، حيث يدفع البنك قيمة الشقة كاملة للبائع، ثم يتنازل عنها للمشتري، بحيث يسدد المشتري الثمن للبنك على أقساط معلومة، وذلك نظير زيادة -فائدة- منخفضة جدًا على كامل الثمن، وقد استغل بعض الناس هذه التسهيلات المقدمة من تلك البنوك، بحيث يقوم مثلًا أي شخص بشراء شقة أخيه بشكل صوري بنظام التمويل العقاري، بحيث يدفع البنك كامل الثمن، ويأخذ هذا الشخص المبلغ من البنك على أن يسدده للبنك على أقساط بفائدة منخفضة، فهو في الحقيقة لم يشتري الشقة، بل غرضه من تلك المعاملة هو أخذ المال من البنك ليستثمره في أمور أخرى؛ لكنه تحايل في أخذه بفائدة منخفضة جدًا، مستغلا تلك المبادرات التي تقدم تسهيلات لمن يريد شراء شقة سكنية، فما حكم ذلك شرعًا؟

الجواب

التحايل على نظام التمويل العقاري بقصد الحصول على المال دون نية الشراء الحقيقي يعتبر من الحيل المحرمة شرعًا، فهذا التصرف يدخل في باب أكل أموال الناس بالباطل، وهو محرم شرعًا، والواجب على المسلم أن يلتزم بالأمانة والصدق في المعاملات المالية، لذا فإن التمويل العقاري لا يجوز استغلاله إلَّا للغرض المخصص له وهو شراء شقة سكنية بالفعل.

التأصيل الشرعي

المبادرات والتسهيلات التي تقوم بها بعض البنوك لمن يريد شراء شقة سكنية، وذلك عن طريق التمويل العقاري الذي هو عبارة عن قيام البنك بدفع قيمة الشقة كاملة للبائع، ثم يتنازل عنها للمشتري، بحيث يسدد المشتري الثمن للبنك على أقساط معلومة، وذلك نظير زيادة -فائدة- منخفضة جدًا على كامل الثمن، فالاستفادة من تلك المبادرات والتسهيلات أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه، لكن بشرط أن يكون الشخص المنتفع بتلك التسهيلات مستحقًا لها بالفعل، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[1].

قال الإمام البغوي -عند تفسيره لهذه الآية الكريمة-: “قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بالحرام، يعني: بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو العقود الفاسدة. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً}، قرأ أهل الكوفة {تِجَارَةً} نصب على خبر كان، أي: إلا أن تكون الأموال تجارة، وقرأ الآخرون بالرفع، أي: إلا أن تقع تجارة، {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي: بطيبة نفس كل واحد منكم”[2].

فالتحايل على نظام التمويل العقاري بقصد الحصول على المال دون نية الشراء الحقيقي يُعَدُّ من باب أكل أموال الناس بالباطل، بل يعتبر من الحيل المحرمة شرعًا، قال الإمام ابن قدامة: “والحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقدا مباحا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك. قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله، كأنما يخادعون صبيا، لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي. فمن ذلك؛ ما لو كان مع رجل عشرة صحاح، ومع الآخر خمسة عشر مكسرة، فاقترض كل واحد منهما ما مع صاحبه، ثم تباريا، توصلا إلى بيع الصحاح بالمكسرة متفاضلا، أو باعه الصحاح بمثلها من المكسرة، ثم وهبه الخمسة الزائدة، أو اشترى منه بها أوقية صابون، أو نحوها ما يأخذه بأقل من قيمته، أو اشترى منه بعشرة إلا حبة من الصحيح مثلها من المكسرة، ثم اشترى منه بالحبة الباقية ثوبا قيمته خمسة دنانير. وهكذا لو أقرضه شيئا، أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم. وبهذا قال مالك”[3].

كما أن الشرع الشريف قد حرم الغش والتدليس في كافة المعاملات المالية وغيرها، لذا فإنَّ تحايل الشخص لأخذ المال من البنك بفائدة منخفضة بحجة التمويل العقاري أمر محرم، لأنه أخذ ما لا يستحق من تلك التسهيلات المقدمة لمن يريد أن يحصل على شقة سكنية، بل إنه بذلك يفوت الفرص الحقيقية على غيره من المحتاجين، وهذا كله من باب الخيانة المحرمة في الشريعة الإسلامية؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[4].

قال الإمام ابن عطية -عند تفسيره لهذه الآية الكريمة-: “والخيانة التنقص للشيء باختفاء وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ أمر ما، مالا كان أو سرًّا أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر. وخيانة الرسول تنقص ما استحفظ، وخيانات الأمانات هي تنقصها وإسقاطها، والأمانة حال للإنسان يؤمن بها على ما استحفظ، فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي حكاه، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد، وقوله {فِتْنَةٌ} يريد محنة واختبارا وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك”[5].

وعليه: فإنه لا يجوز شرعًا التحايل على أنظمة التمويل العقاري لدى البنوك لأخذ المال بفائدة منخفضة، بل الواجب على المسلم أن يحترم الغاية الأصلية من معاملات التمويل والتسهيلات التي تقدمها البنوك، وأن يلتزم بالأمانة والصدق في كافة المعاملات المالية وغيرها، وألَّا يستخدم التمويل العقاري إلَّا للغرض المخصص له وهو شراء شقة سكنية بالفعل.

والله تعالى أعلم

[1] [النساء: 29].

[2] معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي (2/ 199).

[3] المغني، لابن قدامة (4/ 43).

[4] [الأنفال: 27].

[5] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية (2/ 517).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات