الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفتاوى الأعمالحكم التعاقد على توريد عمال مع تأخير الأجرة

حكم التعاقد على توريد عمال مع تأخير الأجرة

رقم الفتوي:
381

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

طلب مني أحد المهندسين توريد عدد من العمال يوميا؛ للعمل بموقع المشروع، في مقابل أن يدفع لي أجرة يومية لكل عامل، ويعطيني عن العامل الواحد مائة جنية، وسيتم الدفع بعد ثلاثة أشهر، فهل هذه المعاملة جائزة شرعا؟

الجواب

المعاملة المذكورة عبارة عن توريد خدمة، وتكيف فقها على أنها إجارة، وهي جائزة شرعا؛ حتى وإن كانت الأجرة مؤجلة.

التأصيل الشرعي

اقتضت طبيعة المعاملات المالية في العصر الحديث استحداث عقود جديدة تحقق مصالح أطرافها، ومن هذه العقود عقد التوريد، وهو: “عقد يتعهد بمقتضاه طرف أول بأن يسلم سلعا أو خدمات معلومة، مؤجلة أو معجلة أو مقسطة، خلال فترة معينة لطرف آخر، مقابل مبلغ معين، مؤجل أو معجل أو مقسط”[1].

والتكييف الفقهي لعقد التوريد يتوقف على صورة المعاملة التي تتم بواسطة هذا العقد، والصورة المذكورة يتم توريد عمالة لمدة زمنية معلومة، فهي إجارة.

والإجارة من العقود الجائزة شرعا، لقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}[2]، وجه الدلالة أن الإرضاع بلا عقد تبرع لا يوجب أجرة، وإنما يوجبها ظاهر العقد فتعين[3].

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ»[4].

“وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ”[5]

وإذا كانت العين المؤجرة موصوفة في الذمة، فقد اختلف الفقهاء في وجوب تعجيل الأجرة، فذهب المالكية والشافعية والحنابلة في أحد الوجهين إلى وجوب تعجيلها؛ لأن تأجيلها يجعلها من باب بيع الدين بالدين[6].

وذهب الحنفية والحنابلة في الوجه الآخر إلى جواز تأجيل الأجرة؛ لأن المنافع لا تثبت دينا في الذمة.

قال الإمام الكاساني الحنفي: “وتعليل من علل في هذه المسألة أن هذا في معنى بيع الدين بالدين؛ لأن المنفعتين معدومتان وقت العقد فكان بيع الكالئ بالكالئ غير سديد؛ لأن الدين اسم لموجود في الذمة أخر بالأجل المضروب بتغيير مقتضى مطلق العقد فأما ما لا وجود له وتأخر وجوده إلى وقت فلا يسمى دينا”[7].

وقد ورد عن الإمام مالك ما يفيد إباحة الدين بالدين للضرورة، قال أبو عبد الله المواق المالكي: “من أصول مالك أن يراعى الحاجيات كما يراعى الضروريات” وعدد أمثلة على ذلك منها أنه: “أجاز تأخير النقد في الكراء المضمون…. كما اعتذر مالك بمثل هذا في إباحة تأخير الأجرة في الكراء المضمون في طريق الحج؛ لأن الأكرياء ربما لا يوفون، فعند مالك هذا ضرورة إباحة الدين بالدين فالناس مضطرون لهذا والله المخلص”[8].

فإذا جاز تأخير الأجرة في الكراء المضمون أي الإجارة الموصوفة في الذمة، لحاجة الناس إلى ذلك وانتظام أمر معاشهم به، فيجوز تأخير الأجرة في عقد توريد الخدمات لعموم الحاجة إليه، وتحقق المصلحة به.

وعلى هذا فيجوز عقد توريد الخدمات مع تأخير الأجرة تقليدا للأحناف وبعض المالكية ولا حرج في ذلك.

والله تعالى أعلم

[1]  يراجع: مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد الثاني عشر، (2/391)، والمشروع الهندسي حلاله وحرامه، ياسر أمين عبد الباقي، ص 302.

[2]  [الطلاق: 6].

[3]  مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، الخطيب الشربيني، (3/ 439)

[4] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم: (2279)، ومسلم في صحيحه، (1202).

[5] أخرجه البخاري في صحيحه، رقم: (2263).

[6]  يراجع: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، (4/ 13)، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني، (3/ 443).

[7] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (4/ 194).

[8] التاج والإكليل لمختصر خليل (7/ 496).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات