السؤال
أعمل مستشارًا قانوني لأحد الأندية الرياضية، ومن ضمن أعمالي التي أُكلف بها إنشاء “عقود احتكار اللاعبين الرياضيين” الذين يعملون داخل هذا النادي الرياضي، وذلك لضمن عدم استغلال أي نادٍ رياضي آخر في طلبهم، فما حكم الشرع في ذلك؟
الجواب
العمل كمستشار قانوني لدى أحد الأندية الرياضية، والقيام بإنشاء تلك العقود التي تسمى “احتكار اللاعبين الرياضيين” أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه، لأنه يعد من باب الإجارة الخاصة الجائزة شرعًا، وليس من الاحتكار المنهي عنه.
التأصيل الشرعي
عقود احتكار الرياضيين تعد من أنواع العقود الحديثة، ويعتمد فيها بشكل أساسي على توقيع الرياضي مع فرق النادي، ومن أهم الالتزامات التي يتحملها الرياضي في هذا العقد هي عدم ممارسته لتلك الرياضة التي يتخصص فيها لصالح نادٍ آخر خلال فترة العقد، إلا بموافقة النادي الذي تعاقد معه.
وهذا النوع من العقود يمكن اعتباره من أنواع عقود الإجارة، قال الشيخ زكريا الأنصاري -معرفًا الإجارة بأنها-: “عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلةٍ للبَذلِ والإباحةِ بعِوَضٍ معلوم”[1].
فيجوز أن يؤجر الإنسان نفسه للقيام بخدمة معينة مقابل أجر يتقاضاه؛ فقد قام سيدنا موسى عليه السلام بتأجير نفسه لخدمة الرجل الصالح عدة سنوات؛ وذلك في قصة وروده عليه السلام ماءَ مَدْيَنَ ومساعدته المرأتين بِنْتَي ذلك الرجل الصالح؛ قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}[2].
وقد نص الفقهاء أن الأجير يمكن أن يكون إما خاصًا أو مشتركًا:
– فالأجير المشترك: هو الذي يُستفاد من خدماته من قِبَلِ أكثر من شخص، مثل الحداد والسباك والخياط وغيرهم، وهذا النوع من الأجراء لا يستحق الأجرة إلا عند تقديمه للعمل، وللشخص الذي استأجره الحق في عدم منعه من العمل لجهة أخرى.
– أما الأجير الخاص: فهو الذي يتم استئجاره لفترة محددة للعمل لدى شخص معين.
قال الشيخ الشلبي الحنفي: “قال الشيخ أبو الحسن الكرخي في “مختصره”: الأجير المشتَرَك: القصار والصباغ والخياط والصائغ وكلُّ من يستحق الأجر لعمله دون تسليم نفسه. ثم قال الكرخي: الأجير الخاص: مَن استحق الأجر بالوقت دون العمل؛ وذلك كرجلٍ استأجر رجلًا ليخدمه شهرًا بخمسة دراهم، أو كل شهرٍ بخمسة دراهم، أو ليقصر معه، أو ليخيط معه، أو ليعمل عملًا من الأعمال سَمَّاهُ كلَّ شهرٍ بكذا كذا أو كلَّ يومٍ بكذا أو كلَّ سنةِ بكذا أو كذا فهذا هو الخاص”[3].
ويعتبر الرياضي الذي يتعاقد مع أحد الأندية بمسمى “عقد احتكار الرياضي” أجيرًا خاصًا؛ لذا لا يجوز له العمل مع أي نادٍ آخر غير ناديه الذي تعاقد معه.
قال الإمام البهوتي: “وليس له -أي الأجير الخاص- أن يعمل لغيره -أي غير مستأجره-؛ لأنه يُفَوِّتُ عليه ما استحقه بالعقد”[4].
وبذلك يتضح أن مصطلح “الاحتكار” المستخدم في هذا مثل هذه القعود لا يُفهم به الاحتكار المنهي عنه شرعًا، بل هو إشارة إلى التزام شرعي يقع على عاتق الرياضي، الذي يعتبر بمثابة الأجير، ويستوجب هذا الالتزام ألا يعمل الرياضي لصالح أي جهة أخرى غير مستأجره -أي النادي-، وهذا الشرط يعد صحيحًا ويتماشى مع بنود عقد الإجارة الخاصة كما هو واضح من نصوص الفقهاء.
لذا فإن العمل كمستشار قانوني لدى أحد الأندية الرياضية، والقيام بإنشاء تلك العقود التي تسمى “احتكار اللاعبين الرياضيين” أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه، لأنه يعد من باب الإجارة الجائزة، وليس من الاحتكار المنهي عنه شرعًا.
والله تعالى أعلم
[1] الغرر البهية في شرح البهجة الوردية، لزكريا الأنصاري (3/310).
[2] [القصص: 26].
[3] حاشية الشيخ شلبي الحنفي على تبيين الحقائق للزيلعي (5/134).
[4] كشاف القناع، للبهوتي (4/33).


