السؤال
منذ كنت صغيرا وأنا أعمل في مهنة الحلاقة حيث أقوم بتصفيف الشعر وتهذيبه وما يلزم من أمور أخرى، وقد أصبحت ماهرًا فيها مما أكسبني شهرة واسعة، وأصبحت هي المصدر الأساسي لدخلي الذي أعيش منه، وقد نصحني بعض الأصدقاء بترك هذه المهنة لما بها من شبهة شرعية، فهل هذه المهنة بها شبهة شرعية، وما حكم الأجرة التي آخذها من عملي؟
الجواب
ما يقوم به الحلاق في مجمل أعماله مرده إلى الاهتمام بالشعر والبشرة من حيث التجميل والتزيين، وهو أمر دعا إليه الشرع وحض عليه ما دام أنه منضبط بالضوابط الشرعية أمرًا ونهيًا، فعملك في هذه المهنة أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه من حيث الأصل، والمال المكتسب منه حلال شرعًا.
التأصيل الشرعي
دعا الإسلام إلى الجمال والطهارة والزينة، فكما اهتم الإسلام بباطن الإنسان وتخليته من الآفات والشوائب اهتم كذلك بظاهره وهيئته، فأمره بالتزين والتنظف، قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[1].
وقال تعالي: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[2].
وعن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يدخل النارَ مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال حبة من كِبْر”، فقال رجل: يا رسول الله، إني لُيعْجبني أن يكون ثوبي غَسيلاً، ورأسي دَهيناً، وشِرَاك نعلي جديداً، وذكر أشياء، حتى ذكر علاقة سوطه، أفمن الكبر ذَاكَ يا رسول الله؟، قال: “لا، ذاك الجَمال، إن الله جميل يحبّ الجَمال، ولكن الكبر منْ سَفهَ الحق وازْدَرَى الناس”[3].
وقد حث الإسلامُ المسلمَ على إكرام شعره وتسريحه؛ ليكون على هيئة جميلة تنشرح لها النفوس والأبصار؛ لأن النفوس السوية مجبولة على حب الجمال والهيئة الحسنة، بخلاف الهيئة القبيحة فإنها تفر منها وتبعد عنها.
وورد في السنة أن رجلا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه أمره إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان” [4].
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أكرام الشعر والاهتمام به وتمشيطه وادهانه ليكون على هيئة طيبة، فقال: «من كان له شعر فليكرمه»[5].
ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن تركه ثائرا، فعن جابر قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ثائر الرأس فقال: “أما يجد هذا ما يسكن به شعره”[6].
ومهنة الحلاقة من المهن القديمة، فعلى مر العصور كان الذي يساعد الناس في تصفيف شعرهم وتهذيبه وإكرامه ما يسمى ب(الحلاق)، وكان إلى عهد غير بعيد يقوم بأعمال أخرى غير حلق الشعر وتهذيبه، فكان يقوم باستخراج الدم الفاسد من الجسم وكان يسمى “حجامًا”، أو يقوم ببعض الأعمال الطبية الأخرى كقلع ضرس فكان يسمى بـــ (حلاق الصحة)، وأيضًا كان يطلق عليه “المزين” لما يقوم به من أعمال التزيين الخاصة بتهذيب الشعر واللحى وتصفيفه ووضع الدهن عليه.
وقد مرت هذه الحرفة بأطوار كثيرة حتى صارت في عصرنا على النحو الذي هي عليه الآن، حيث انفصلت عنها الأدوار القديمة التي كانت تقوم بها من أعمال التداوي واقتصر دورها على أعمال التجميل والتزيين الخاصة بالشعر أو البشرة، فتغير دورها الاجتماعي وتطور حتى أصبحت من المهن الهامة التي ينظر لها المجتمع باحترام وتقدير كبيرين.
ومن خلال ما ذُكر يتضح لنا الاختلاف الكبير بين هذه المهنة في الماضي وفي العصر الحديث، من حيث طبيعتها أو نظرة المجتمعات لها، ونستطيع أن نفهم لماذا ذهب الفقهاء إلى كراهية العمل في هذه المهنة أو أخذ أجرة عليها، فقد كان هذا قائمًا على العرف الذي ينظر إلى كون هذه المهنة من المهن الدنيئة والخسيسة.
يقول ابن قدامة: “وتسميته كسبا خبيثا لا يلزم منه التحريم، فقد سمى النبي – صلى الله عليه وسلم – الثوم والبصل خبيثين، مع إباحتهما وإنما كره النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك للحر تنزيها له؛ لدناءة هذه الصناعة”[7]، ويقول أيضًا مبينًا سبب كراهية هذه الحرفة: “وإذا ثبت هذا، فإنه يكره للحر أكل كسب الحجام، ويكره تعلم صناعة الحجامة، وإجارة نفسه لها؛ لما فيها من الأخبار، ولأن فيها دناءة، فكره الدخول فيها”[8].
والحكم على صنعة بدناءتها وخستها مرجعه إلى العرف واختلاف الزمان، وفي ذلك يقول الماوردي: “والمكاسب تكون في العرف المألوف من أربع جهات بالزراعات والتجارات، والصناعات، والحمايات، ولكل واحد منها رتب متفاضلة وكل واحد منها يفضل بعضها على غيره بحسب اختلاف البلدان والأزمان، وإن في بعض البلدان التجارات، وفي بعضها الزراعات أفضل، وفي بعض الأزمان حماة الأجناد أفضل، وفي بعضها أقل فلأجل ذلك لم يمكن أن يفضل بعضها في عموم البلدان والأزمان، وإنما يراعى فيها العرف والعادة” [9].
ونرى أن الأمور قد تغيرت وتطورت تطوراً كثيرا في النظرة إلى حرفة الحلاقة وغيرها من الحرف، فلم تعد على هذا النحو الذي كان في الماضي، فما يقوم به الحلاق في مجمل أعماله مرده إلى الاهتمام بالشعر والبشرة من حيث التجميل والتزيين، وهو أمر دعا إليه الشرع وحض عليه أتباعه طالما أن الجميع منضبط بضوابط الشرع أمرًا ونهيًا.
وبناء على ذلك فنرى أن عملك في مهنة الحلاقة جائز شرعًا ولا حرج فيه من حيث الأصل ولا شبهة، غاية ما هناك أن تبتعد في مزاولتك لهذه المهنة عما حرم الله عز وجل ونهى عنه، وبذلك تكون الأجرة التي تتحصل عليها من عملك حلال شرعًا ولا حرج فيها.
والله تعالى أعلم
[1] [الأعراف: 31]
[2] [الأعراف: 32]
[3] مسند الإمام أحمد، (4/136).
[4] الموطأ للإمام مالك، (2/176).
[5] سنن أبي داود، (4/76).
[6] سنن النسائي، (8/132).
[7] المغني (5/399).
[8] المغني (5/399).
[9] الحاوي الكبير (9/ 105)


