السؤال
ما حكم العمل في وظيفة “المونتير” للأفلام والمسلسلات، مع العلم أن بعضها قد يتضمن مشاهد غير لائقة مما تشتمل عليه تلك الأعمال عادةً وما إلى ذلك؟
الجواب
عمل المونتير هو تحرير المادة المصورة بالحذف والإضافة والتركيب ويسمى بـ”المونتاج” والأصل فيه أنه جائز خاصة إذا كان المحتوى نافعًا للناس، كالمواد التعليمية والدينية والبرامج المباحة، بل ويثاب عليه بالنية الصالحة، وأما إذا كان المحتوى مشتملًا على ما يُخالف الشريعة من قصد كشف للعورات تهييجا للغرائز، أو دعوة إلى فساد عقدي أو أخلاقي ونحو ذلك، فهذا محرم لأنه إعانة على المعصية والمساعدة بنشرها، وأما إذا كان عملا لا يقصد منه ذلك، ولكن به بعض مخالفاتِ المكلفين ككون المذيعة أو الممثلة كاشفة الرأس مما لا يخلو منه الآن طريقٌ أو تجمعُ للناس فلا حرج عليك في العمل، ولا يخفى عليك سبيل الاحتياط ويكون بالتحري قدر الإمكان عن العمل قبل التعاقد.
التأصيل الشرعي
المونتير هي كلمة فرنسية الأصل (monteur Le) وهي تشير إلى شخص يعمل كمحررٍ فنيٍ للمحتوى المرئي، حيث يتضمن ذلك التصرّف في المادة المصورة صوتًا وصورة، من خلال الحذف والإضافة والتركيب، وصولًا إلى النسخة النهائية المعروضة.
وحكم هذه الوظيفة تابعٌ للعمل الأصلي المساعد له، من حيث كونه مباحًا أو محرمًا، وذلك تأسيسًا على قواعد الشريعة الكلية، حيث إن الأعمال التي تتعلق بإنتاج محتوى ما تُعتبر من قبيل الوسائل، وحكم الوسيلة تابع لحكم الغاية، والوسائل تأخذ حكم المقاصد الموصلة إليها، والأصل في هذا قوله تعالى: {وَتعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتقْوَى وَلَا تعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}[1]، قال الإمام القرطبي: “هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي لِيُعِن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدال على الخير كفاعله»[2]، وقد قيل: الدال على الشر كصانعه”[3].
ومن ثَمَّ، فإن الأعمال المساعدة -كقاعدة عامة- لا يُنظر إليها في ذاتها فقط، بل يُنظر في نتيجتها ومآلها ومضمونها، فإذا كان العمل الأصلي محرمًا، كان العمل المساعد محرمًا أيضًا؛ لإعانته على المعصية، وهو ما يتضح جليًا من نصوص الفقهاء، فقد ذكر الإمام الطحاوي الحنفي مثلًا أن بيع السلاح في وقت الفتنة حرام، لأنه يُعين على سفك الدماء[4]، وذكر الإمام الغزالي الشافعي أن الصانع لآلة اللهو عاصٍ، لأنه معين على المعصية[5]، فعلى هذا يُقاس كل من ينتج أو يهيّئ وسيلة محرّمة تُعين على إشاعة الفاحشة أو تُهيئ أسبابها.
وهو ما نص عليه المالكية والحنابلة بوضوح، تبعًا لأصلهم في الأخذ بسد الذرائع، قال الإمام القرافي المالكي: “الوسائل تأخذ حكم ما أُوصلت إليه… فمتى كانت موصلةً لمعصية فهي محرّمة”[6]، وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي: “لا يجوز بيع شيء يُعلم أنه يُستعمل في معصية”[7].
فمن ذلك يتضح أنه إذا كان المحتوى موضوع العمل الأصلي مباحًا أو نافعًا، فالعمل عليه جائز، بل قد يكون مندوبًا إليه، وإذا كان المحتوى محرّمًا، فلا يجوز العمل فيه مطلقًا؛ لأن في ذلك إعانة على الإثم، وأما إذا كان المحتوى مختلطًا بين ما هو نافع وما هو محرّم: فإن أمكن إزالة المحرمات منه والاقتصار على الجائز، جاز العمل فيه، وأما إذا كان لا يمكن العمل إلا بالمشاركة في المحرم، فالعمل ممنوع، وذلك للقاعدة الشرعية الضرر لا يزال بالضرر[8].
فإذا تيقنت أن المونتاج للعمل السينمائي به مخالفات شرعية متعمدة كدعوة لعقائد مخالفة للإسلام أو كانت تنشر الفاحشة بالتبرج الفاحش وتهييج الغرائز بمشاهد جنسية فيجتنبه حينئذ؛ لأن العمل حينئذ موصل إلى حرام، وهو مساعدة على المحرم.
وأما إذا كان عملا لا يقصد منه المحرم، ولكن به بعض مخالفاتِ المكلفين ككون المذيعة أو الممثلة كاشفة الرأس مما لا يخلو منه الآن طريق أو تجمع للناس فلا حرج عليك في العمل، وإذا شككت أو لم تطلع على العمل أو لم تتمكن من ذلك، فلا حرج عليك عملا بالأصل، ولا يخفى عليك سبيل الاحتياط ويكون بالتحري قدر الإمكان عن العمل قبل التعاقد.
والله تعالى أعلم
[1] [المائدة: 2].
[2] أخرجه الإمام الترمذي في “سننه” (2863).
[3] الجامع لأحكام القرآن (6/ 46 – 47).
[4] شرح معاني الآثار (4/ 236).
[5] إحياء علوم الدين (2/ 281).
[6] الفروق (2/ 32).
[7] المغني (4/ 186).
[8] المنثور في القواعد الفقهية، للزركشي (2/ 398).


