السؤال
أنا صاحب مصنع أقوم بصنع منتجات خاصة بالأدوات الصحية، فيأتي التاجر ويطلب مني الكمية المحددة التي يريدها، والسلعة معلومة الصفة لي وله، فآخذ منه المال وأقوم بتصنيعها له، فهل من شبهة في هذه المعاملة؟؟
الجواب
هذه المعاملة المذكورة جائزة من الناحية الشرعية ولا حرج فيها، ويمكن تخريجها من الناحية الشرعية على أنها عقد “استصناع” وهو عقد جائز عند الحنفية واختار جوازه مجمع الفقه الإسلامي، أو يمكن تخريج المسألة على أن النهي الوارد في الحديث “عن بيع الإنسان ما ليس عنده” إنما هو لو كان شيئًا مجهولًا يفضي إلى نزاع أو كان شيئًا غير مقدور على تسليمه أصلًا ولا يستطيع الحصول عليه فيكون هناك نوع من المغامرة والمقامرة، فإذا كان الإنسان سيبيع شيئًا ليس عنده الآن، فيجوز إذا انتفت هذه الشروط،.
التأصيل الشرعي
الأصل في المعاملات ومنها البيوع هو الحل والإباحة إلا ما ثبتت حرمته بنص فيه نهي عن معاملة معينة سواء كان هذا النهي في كتاب الله أو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول الشافعي:” فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا إلا ما نهى عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى”[1].
والشرع الشريف حينما يحرم معاملة إنما يحرمها لمقاصد وعلل، منها: دفع الغرر والجهالة التي تفضي إلى خصومة وتنازع بين الطرفين أو وقوع ظلم وغبن على أحد المتبايعين، أو أكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك.
والسؤال الذي بين أيدينا وهو أن يبيع الصانع سلعة لم يقم بتصنيعها بعد ويأخذ ثمنها على أن يصنعها للمشتري ويعطيها للمشتري خلال مدة معينة، يمكن تخريجه على الآتي:
التخريج الأول: أنه عقد “استصناع”:
وهو عقد مشروع عند الحنفية خلافًا لغيرهم من الفقهاء، وقد أجازوه استحسانًا ورخصوا فيه لشدة حاجة الناس إليه، وقد عرف الحنفية “الاستصناع” بأنه: عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل، وصورته أن يقول إنسان لصانع – من خفاف أو صفار أو غيرهما -: اعمل لي خفا، أو آنية من أديم أو نحاس، من عندك بثمن كذا، ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته، فيقول الصانع: نعم.
وأما جوازه، فالقياس: أن لا يجوز؛ لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، لا على وجه السلم، وقد نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم، ويجوز استحسانا؛ لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، وقد قال – عليه الصلاة والسلام -: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وقال – عليه الصلاة والسلام -: «ما رآه المسلمون حسنا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا؛ فهو عند الله قبيح» والقياس يترك بالإجماع ولأن الحاجة تدعو إليه؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف، أو نعل من جنس مخصوص، ونوع مخصوص، على قدر مخصوص وصفة مخصوصة، وقلما يتفق وجوده مصنوعا؛ فيحتاج إلى أن يستصنع، فلو لم يجز؛ لوقع الناس في الحرج، وأما شرائط جوازه (فمنها) : بيان جنس المصنوع، ونوعه وقدره وصفته؛ لأنه لا يصير معلوما بدونه.
(ومنها): أن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس – من أواني الحديد والرصاص، والنحاس..
(ومنها): ألا يكون فيه أجل “[2].
وبقول السادة الحنفية أخذ مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9-14 أيار (مايو) 1992م،
حيث جاء في نص القرار رقم:( 65): بعد اطلاعه (أي: المجمع) على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع عقد الاستصناع، وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظرًا لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي،قرر ما يلي:
أولًا: إن عقد الاستصناع -وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة- ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
ثانيًا: يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:
أ- بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة.
ب- أن يحدد فيه الأجل.
ثالثًا: يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.
رابعًا: يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًّا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.
والله أعلم[3].
التخريج الثاني: أن النهي الوارد في الحديث “عن بيع الإنسان ما ليس عنده” إنما هو لو كان شيئًا مجهولًا يفضي إلى نزاع أو كان شيئًا غير مقدور على تسليمه أصلًا ولا يستطيع الحصول عليه فيكون هناك نوع من المغامرة والمقامرة، فإذا كان الإنسان سيبيع شيئًا ليس عنده الآن، فيجوز إذا انتفت هذه الشروط، أو بلفظ آخر يجوز إذا توافرت هذه الشروط:
1.كان الشيء المبيع معروفًا وموصوفًا وصفًا ينفي عنه الجهالة.
2.كان لديه القدرة على إحضاره وتسليمه للمشتري.
3.كون هذه المعاملة لا تفضي في نهاية المطاف إلى نزاع أو غرر.
4.حاجة الناس إلى ذلك في معاملاتهم.
والله تعالى أعلم
[1][1] الأم للشافعي (3/ 3)
[2] بدائع الصنائع للكاساني، ( 5/3 )
[3] دورة المؤتمر السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 7-12 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9-14 أيار (مايو) 1992م،
القرار رقم:( 65).


