السؤال
تمتلك إحدى الجهات قطعة أرض في منطقة سكنية مخصصة لبناء مبنى خدمي وإداري، وعرضت هذه الجهة الأرض للبيع بالمزاد العلني، وفتحت باب التقدم للمزاد، وحيث إن مبلغ تأمين دخول المزاد كبير فلم يتقدم إليه إلا خمسة أفراد، وبعد البحث والتحري تمكنا من التواصل معهم وعقد اتفاق شفهي بيننا ألا نزيد على سعر معين، ومن سيأخذ الأرض سيدفع مبلغا من المال تم الاتفاق عليه بين الجميع مقابل عدم الزيادة في المزاد، والسؤال ما حكم هذا الاتفاق؟
الجواب
يحرم شرعا تواطؤ جميع المزايدين على ترك الزيادة عند سعر معين؛ لأن هذا من بخس الناس أموالهم، وفيه إضرار بالبائع.
التأصيل الشرعي
المزايدة إحدى صور البيع المشروعة، والمقصود منها أن يصل البائع إلى أفضل الأسعار لسلعته، وقد عرفها الفقهاء بعدة تعريفات تدور حول عرض البائع سلعته بنفسه أو بوكيله ليزيد المشترون في سعرها ثم يبيعها لمن يزيد.
وهي وسيلة ناجعة للوصول إلى أفضل الأسعار بالنسبة للبائع، وقد اتفق جمهور الفقهاء على مشروعية البيع بالمزايدة مستدلين بما رواه أصحاب السنن عن أَنَسِ بن مَالِكِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا وقال: «مَن يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟». فقال رَجُلٌ: «أَخَذْتُهُمَا بِدِرْهَم». فقال النبي ﷺ: من يَزِيدُ على دِرْهَم؟ من يَزِيدُ على دِرْهَم؟». فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنه[1].
وتواطؤ جميع المزايدين لشراء السلعة على ألا يزيدوا في ثمنها عن حد معين مفوت للغرض الذي شرعت من أجله المزايدة، وفيه إضرار بالبائع وإفساد عليه، ببخس سلعته، وهذا منهي عنه شرعا؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ}[2].
واتفاق جميع المزايدين على ترك الزيادة في ثمن السلعة يمكنهم من شرائها بأقل من ثمنها وهذا من البخس المنهي عنه في الآية الكريمة.
وأيضا اتفاقهم على سعر معين لا يزيدون عليه فيه تغرير بالبائع وخداع له؛ لأنه سيظن أن سلعته لا يزيد ثمنها عن هذا القدر الذي اتفق عليه المزايدون، فيبيع به.
وقد ذهب السادة المالكية إلى عدم جواز اتفاق جميع المزايدين على ترك المزايدة بعد سعر معين، كما جاء في مختصر خليل: “وجاز سؤال البعض ليكف عن الزيادة لا الجميع“[3].
وقال الشيخ الدردير شارحا كلام الشيخ خليل: “(وجاز) لحاضر سوم سلعة يريد أن يشتريها (سؤال البعض) من الحاضرين (ليكف عن الزيادة) فيها ليشتريها السائل برخص، ولو بعوض ككف عن الزيادة ولك درهم ويلزمه العوض اشتراها أم لا… و(لا) يجوز سؤال (الجميع) أو الأكثر أو الواحد الذي في حكم الجماعة كشيخ السوق، فإن وقع هذا وثبت ببينة أو إقرار خير البائع في قيام السلعة بين ردها وعدمه، فإن فاتت فله الأكثر من الثمن والقيمة، فإن أمضى فلهم أن يشاركوه فيها وله أن يلزمهم الشركة إن أبوا”[4].
ويتضح من النقل السابق أن اتفاق بعض المزايدين على ترك الزيادة في السعر لا حرج فيه سواء كان ذلك بعوض أم لا، والذي لا يجوز هو اتفاق جميع المزايدين على ترك الزيادة لما فيه من الإضرار بالبائع والإفساد عليه[5].
وقد وافق ابن تيمية المالكية في تحريم اتفاق جميع المزايدين على ترك الزيادة في المزايدة فجاء في جوابه عن اتفاق تاجرين على ترك أحدهما الزيادة ليشتري السلعة صاحبه لهما: “أما إذا كان في السوق من يزايدهما ولكن أحدهما ترك مزايدة صاحبه خاصة لأجل مشاركته له: فهذا لا يحرم؛ فإن باب المزايدة مفتوح وإنما ترك أحدهما مزايدة الآخر؛ بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق على أن لا يزايدوا في سلع هم محتاجون لها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها ويتقاسمونها بينهم فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقي السلع إذا باعها مساومة؛ فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفى”[6].
وعلى هذا فتواطؤ جميع المزايدين على ترك الزيادة عند سعر معين لا يجوز شرعا، والكسب الذي يناله كل واحد منهم كسب خبيث، فلا يجوز لهم أخذه.
والله تعالى أعلم
[1] سنن الترمذي، حديث رقم (1218).
[2] [الأعراف: 85].
[3] مختصر خليل (ص: 149)
[4] الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (3/ 68).
[6] مجموع الفتاوى (29/ 304).


