السؤال
ما حكم صياغة بعض المواصفات بطريقة غير دقيقة؛ لإغراء المناقصين بتقليل أسعارهم عند تقديم عطاءاتهم، ثم المطالبة عند التنفيذ بأعلى المواصفات، كأن أترك تحديد العلامة التجارية مثلا في بند التشطيب، وعند التنفيذ أطالب المقاول بتركيب الماركة الأعلى سعرا، وقد يصحب ذلك بعض التطمينات عند إجراء المناقصة بأننا لا ندقق في استلام بعض البنود؟
الجواب
هذا التصرف يعد صورة من صور النجش المنهي عنه شرعا، حيث إن صياغة بعض المواصفات بطريقة ملبسة، تحتمل أكثر من تفسير مع إيهام المقاول عند إجراء المناقصة بأنكم تقبلون بالماركة الأقل سعرا، ثم تطالبه عند التنفيذ بتركيب الماركة الأعلى سعرا حرام شرعا، ومع حرمة هذا التصرف فإنه لا يبطل عقد المناقصة، فالعقد صحيح مع حرمة هذا التصرف.
التأصيل الشرعي
أمرنا الإسلام بالتزام الصدق في المعاملات المالية، والبعد عن المكر والخديعة، ونهى كل ما يؤدي إلى نزاع في المستقبل؛ فحرم النجش في البيوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تناجشوا”[1].
والمقصود بالنجش: الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليغري غيره.
وقد اتفق الفقهاء على حرمة الزيادة في ثمن السلعة إذا كان الشخص لا يرغب في شرائها، ويفعل ذلك لإغراء غيره بشرائها؛ لما فيه من الإضرار بالغير.
قال صاحب رحمة الأمة: “النجش حرام وهو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره، فإن اغتر به إنسان فاشترى فشراؤه صحيح عند الثلاثة، وإن أثم الغار (البائع)، وقال مالك: الشراء باطل”[2].
وكما يقع النجش في البيع بالمزايدة يقع في الشراء بالمناقصة، فالنجش بالشراء بالمناقصة هو “التنقيص من ثمن السلعة ممن لا يريد بيعها”[3].
وتعريف الفقهاء النجش بأنه الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليغري غيره، هو تفسير له بأشهر صوره وأوضحها، وهذا لا ينفي وجود صور أخرى للنجش، وقد ذكرها الفقهاء وبينوا أحكامها، فمن صور النجش: مدح السلعة بما ليس فيها ليروجها عند المشتري.
قال الإمام محمد بن علي المازري المالكي: “ومما يلحق بهذا -أي بالنجش- مدح السلعة وذمها، فإن ذلك ربما أوقع في المدلسة، ويؤثم فاعله، ولكنه لا يوجب للمشتري مقالًا في فسخ البيع؛ لأن هذا ليس بنفس المدلسة، وإنما يخاف أن يقع فيها”[4].
والمناقصة مقيسة على المزايدة في أحكامها، وبما أن النجش حرام في المزايدة، فيكون القياس حرمة النجش في المناقصة.
وفي واقعة السؤال فإن صياغة بعض المواصفات بطريقة ملبسة، تحتمل أكثر من تفسير مع إيهام المقاول عند إجراء المناقصة بأن المالك يقبل بالماركة الأقل سعرا، ثم مطالبته عند التنفيذ بتركيب الماركة الأعلى سعرا يعد ذلك من صور النجش المنهي عنه شرعا، ومع حرمة هذا التصرف وإثم فاعله فإنه لا يبطل عقد المناقصة، فالعقد صحيح مع حرمة هذا التصرف.
والله تعالى أعلم
[1] رواه البخاري في صحيحه، رقم (6066)، ومسلم في صحيحه، رقم (1413).
[2] رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، أبي عبد الله محمد عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي، ط مجلة الأزهر، (2/62).
[3] المشروع الهندسي حلاله وحرامه، ص147.
[4] شرح التلقين (2/ 1034).


