السؤال
عندي محل لبيع لعب الأطفال، وأحد المنتجات التي أتاجر فيها لعب على هيئة عرائس للبنات، ولعب على شكل حيوانات، وقد نصحني بعض الناس بأن المتاجرة في مثل هذه الألعاب التي على شكل صور ومجسمات وتماثيل حرام، لأن التصوير يُعَدُّ من الأمور المنهي عنها شرعًا، فالتجارة والكسب من وراء بيع الشيء المحرم حرام، فما حكم هذا الكلام، علمًا بأن معظم تجارتنا في هذا النوع من الألعاب؟
الجواب
المتاجرة في لعب الأطفال التي على هيئة عرائس للبنات، أو مجسمات حيوانات ونحو ذلك أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه، والكسب من تلك التجارة كسب حلال وطيب.
التأصيل الشرعي
أجاز جمهور الفقهاء صناعة لعب الأطفال التي على هيئة صور وتماثيل؛ واستدلوا على ذلك بحديث أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، «فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي»[1].
قال الإمام ابن حجر العسقلاني: “وَاسْتُدِلَّ بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن”[2].
وقال الإمام أبو بكر الدمياطي الشافعي: “قوله: نعم يجوز تصوير لعب البنات هي التي يسمونها عروسة؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت تلعب بها عنده صلى الله عليه وسلم قوله: وحكمته أي جواز تصوير لعب البنات. وقوله: تدريبهن أي تعليمهن. وقوله: أمر التربية أي تربية من يأتي لهن من الأولاد إذا كبرن”[3].
أما بالنسبة لما ورد من نصوص تنهى عن التصوير، نحو ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ»[4].
قال الإمام شمس الدين الكرماني: “فإن قلت: لم كانوا أشد الناس عذابًا، قلت: لأنهم يصورون الأصنام للعبادة لها فهم كفرة والكفرة أشد عذابا”[5].
ويستفاد من ذلك أن المراد من النهي عن التصوير هو صناعة الأصنام التي كان الناس يعبدونها ويعظمونها ويتبركون بها، وهذا غير متصور في لعب الأطفال التي هي عرضة للامتهان؛ قال الإمام الخطيب الشربيني: “وقال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون»؛ ولأنها شبيهة بالأصنام.
تنبيه: قضية كلام المصنف تحريم دخول البيت المشتمل على هذه الصور، وكلام أصل الروضة يقتضي ترجيح عدم تحريمه حيث قال: وهل دخول البيت الذي فيه الصور المصنوعة حرام أو مكروه؟ وجهان، وبالتحريم قال الشيخ أبو محمد، وبالكراهة قال صاحب التقريب والصيدلاني، ورجحه الإمام والغزالي في الوسيط اهـ…
فائدة: يستثنى من صورة الحيوان لعب البنات فلا تحرم…، والضابط في ذلك إن كانت الصورة على شيء مما يهان جاز وإلا فلا”[6].
وعليه فإن المتاجرة في لعب الأطفال التي على هيئة عرائس للبنات، أو مجسمات حيوانات ونحو ذلك أمر جائز شرعًا ولا حرج فيه، والكسب من تلك التجارة كسب حلال وطيب.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه البخاري في “صحيحه” (6130).
[2] فتح الباري، لابن حجر (10/ 527).
[3] إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، للدمياطي الشافعي (3/ 413).
[4] أخرجه البخاري في “صحيحه” (5950).
[5] الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري، للكرماني (21/ 134).
[6] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (4/ 408).


