السؤال
هناك بعض التجار يستغلون حاجة المشتري إذا علموا ضرورتهم للشراء بالآجل فيزيدون في سعر السلعة بشكل كبير جدا ومبالغ فيه يتعدى عرف التجار بزيادة فاحشة، فما حكم هذه المعاملة؟
الجواب
البيع الآجل من العقود التي أباحتها الشريعة الإسلامية لحاجة الناس وتيسيرا عليهم في تجاراتهم ومعاملاتهم، ولكن استغلال حاجاتهم محرم، وأما من حيث الصحة فالمختار أنه إن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر إما لغناه أو مع علمه بالحال ورضي، فهو في ذلك غير مكره، فتلزمه وإن كانت شاقة عليه إما لإعساره، أو لضرورة وليس له خيار آخر، فهو في ذلك مكره، فله الرجوع وحينئذ يرجع لثمن المثل.
التأصيل الشرعي
البيع الآجل من العقود التي أجازتها الشريعة الإسلامية، بحيث يقوم البائع ببيع السلعة للمشتري، ويتقاضى منه الثمن مؤجلا أو مقسطا على دفعات محددة ومعلومة، ويكون ربح التاجر في السلعة أكثر من بيعه حالا، وهو من البيوع الجائزة شرعا وفيه تخفيف على كل من البائع والمشتري، فالبائع يزيد في ربح هذا البيع نظير الأجل، والمشتري يحصل على السلعة التي يريدها مع كونه لا يملك كامل ثمنها حالًا، وهو داخل في عموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ}[1]، وقد سبق تفصيل الكلام عليه في الفتوى رقم (22) فراجعه.
وأما بالنسبة للمبالغة في الربح التي يحصل عليها التاجر نظير بيعه بالأقساط فهذا يحتاج إلى تفصيل، فالأصل أن البيع لا يتم إلا بالتراضي بين كل من البائع والمشتري، ولا يمضي هذا البيع إلا برضى المشتري، فشراؤه يدل على رضاه بذلك الربح، ولذلك لم يضع الشرع حَدًّا معينًا لمقدار الربح في التجارة بل جعل هذا الأمر بالتراضي بين البائع والمشتري؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[2].
قال الإمام البغوي: “قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} بِالْحَرَامِ، يَعْنِي: بِالرِّبَا وَالْقُمَارِ وَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَنَحْوَهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ …{عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أَيْ: بِطِيبَةِ نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ”[3].
وعن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه»[4]
فهذه النصوص الشرعية تدل على أنَ العبرة في عقد البيع حصول التراضي بين البائع والمشتري، ولم تُحدِّد مقدارا للربح.
لكن هذا شريطة عدم استغلال حاجة الناس كأن يعلم البائع أن هذا المشتري يحتاج إلى سلعة ضرورية وليس معه ثمنها فيبالغ لأجل علمه بضرورته إليها، أو كان يعلم أنه سيبيعها بعد شرائها منه لحاجته للمال فيبالغ في ربحه استغلالا لحاجته فهذا فعل محرم؛ وهو شراء المضطر وبيعه فقد نقل عن الإمام أحمد كراهته وتحريمه، قال ابن مفلح الحنبلي في تعداد شروط البيع: “أحدها: الرضا فإن أكره بحق صح، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه كره الشراء، ويصح على الأصح وهو بيع المضطر، ونقل حرب تحريمه وكراهته، وفسره في روايته فقال: يجيئك محتاج فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، ولأبي داود: عن محمد بن عيسى، عن هشيم، عن صالح بن عامر كذا قال محمد قال حدثنا شيخ من بني تميم قال: خطبنا علي، أو قال علي: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك”[5].
فهذا من حيث الكراهة والحرمة وأما من حيث صحته وفساده ففيه ثلاثة أقوال:
الأول: أنه بيع صحيح ما دام قد صدر من غير محجور عليه وهو مذهب الشافعية ومشهور مذهب المالكية ورواية عن أحمد، قال اللخمي: “أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ”، فإنه حجة لمن قال الغبن ماض ولا قيام فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مضى بياعاته التي كانت تقدمت قبل، ولم يجعل له قياما إلا أن يشترط في المستقبل، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَبعْ حَاضرٌ لِبَادٍ”، وقال -في كتاب مسلم-: “دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ”، فهي أن يبيع له سمسار؛ لأن ذلك يمنع مغابنة الجالب؛ لأن السمسار يعلم سعرها، وكيف السوق من الغلاء والرخص، والجالب لا يعلم ذلك.
وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، فإن حمل على أنهم الذين يأتون من البوادي، عاد الجواب إلى ما تقدم، إنهم لا يتلقون لحق أهل السوق؛ لأن في ذلك فسادا على من جلس ولم يتلق فلا يتلقون لهذا، فإذا بلغوا السوق باعوا لأنفسهم، وإن حمل على أنهم التجار الذين يقدمون بالبز وأشباه ذلك، وإن النهي محتمل، هل ذلك لحق أهل السوق، فإذا بلغ باع بنفسه أو لحقه؟ وأن لا يغبن وإذا احتمل الوجهين لم تقم به حجة”[6].
والثاني: أنه بيع فاسد: فقد نص فقهاء الحنفية على فساده فقد ذكر السغدي الحنفي في تعداده للبيوع الفاسده فقال: “والثاني عشر: بيع المضطر وهو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو لباس أو غيره ولا يبيعه البائع إلا بأكثر من ثمنه بكثير وكذلك في الشراء منه”[7].
وقال ابن عابدين: “(قوله بيع المضطر وشراؤه فاسد) هو أن يضطر الرجل إلى طعام أو شراب أو لباس أو غيرها ولا يبيعها البائع إلا بأكثر من ثمنها بكثير، وكذلك في الشراء منه كذا في المنح …ومثال لبيع المضطر أي بأن اضطر إلى بيع شيء من ماله ولم يرض المشتري إلا بشرائه بدون ثمن المثل بغبن فاحش”[8].
والثالث: أن له خيار الفسخ: وهو عند غير المشهور عن مالك ورواية عن الإمام أحمد: قال القاضي عبد الوهاب المالكي: “اختلف أصحابنا في بيع السلعة بما لا يتغابن الناس بمثله مثل أن يشتري أو يبيع مما يساوي ألف بمائة، فمنهم من نفى أن يثبت الخيار لمغبون منهما، ومنهم من قال: لا خيار إذا كانا من أهل الرشاد والبصر بتلك السلع، وإن كان أو أحدهما بخلاف ذلك فللمغبون الخيار.
فإذا قلنا: لا خيار له فلأنه نقص في عين المعقود عليه كالقليل، ولأن المغبون مفرط لأنه كان يجب أن يوكل من يشتري له أو يبيع.
وإذا قلنا: له الخيار فلقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا بعت فقل لا خلابة”، ونهيه عن إضاعة المال، وقوله: “لا ضرر ولا ضرار”، ولأنه نوع من الغبن في الأثمان فجاز أن يتعلق به الخيار أصله تلقي الركبان، ولأنه نقص بثمن المبيع والغبن فكان مؤثرًا في الخيار كالعيب”[9].
وقال ابن رجب الحنبلي: “وقال عبد الله بن معقل: بيع الضرورة ربا، وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإن كان المشتري مسترسلا لا يحسن أن يماكس، فباعه بغبن كثير، لم يجز أيضا. قال أحمد: الخلابة: الخداع، وهو أن يغبنه فيما لا يتغابن الناس في مثله؛ يبيعه ما يساوي درهما بخمسة، ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيار الفسخ بذلك”[10].
وقال الماوردي في المضطر للطعام ليأكله فاشتراه: “والضرب الثاني: أن يكون ما سماه من الثمن أكثر من ثمن مثله، فيكون بطلب الزيادة من المضطر آثما، وينظر، فإن لم يفرد ما سمى ثمنه لم يلزم المضطر فيما أكل إلا قيمته بمكانه في وقته، وبطل المسمى وإن أفرد ما سمى ثمنه، ففي قدر ما يلزم المضطر إذا أكله وجهان:
أحدهما: الثمن المسمى لما تضمنه من عقد لازم.
والوجه الثاني: ثمن المثل دون المسمى لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن بيع المضطر، وهو هذا.
وأصح من هذين الوجهين المطلقين عندي أن ينظر، فإن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر ليساره، فهو في بذلها غير مكره، فلزمته وإن كانت شاقة عليه لإعساره، فهو من بذلها مكره، فلم تلزمه”[11].
وعلى ذلك: فإن البيع الآجل من العقود التي أباحتها الشريعة الإسلامية لحاجة الناس وتيسيرا عليهم في تجاراتهم ومعاملاتهم، ولكن استغلال حاجاتهم محرم وأما من حيث الصحة فالمختار أنه إن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر إما لغناه أو مع علمه بالحال ورضي، فهو في ذلك غير مكره، فتلزمه وإن كانت شاقة عليه إما لإعساره، أو لضرورة وليس له خيار آخر، فهو في ذلك مكره، فله الرجوع وحينئذ يرجع لثمن المثل.
وعلى العموم ينبغي على التجار عموما أن يراعو أحوال الناس، فلا يبالغوا في زيادة الربح، فالراحمون يرحمهم الرحمن، ويكره لهم حب المغالاة عموما، ولا يعتمدون على ظاهر الرضى بإجراء العقد وأنه يدل على وجود التراضي مطلقا فإن الله مطلع عليهم، وهو يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ ولذلك قال الإمام ابن تيمية: “يكره للرجل أن يحب غلو أسعار المسلمين ويكره الرخص، ويكره المال المكسوب من ذلك، كما قال من قال من الأئمة: إن مالاً جمع من عموم المسلمين لمال سوء”[12].
فالمسلم أخو المسلم فإذا لم يستطع عونه فلا أقل من أن يبيعه بسعر المثل بلا غبن أو مبالغة.
والله تعالى أعلم
[1] [سورة البقرة: 275].
[2] [النساء: 29].
[3] معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي (2/ 199).
[4] أخرجه البخاري في “صحيحه” (3642).
[5] الفروع مع تصحيح الفروع (6/124).
[6] التبصرة للخمي (10/ 4581).
[7] النتف في الفتاوى (1/468).
[8] حاشية ابن عابدين (5/59).
[9] المعونة على مذهب عالم المدينة (2/ 1049)
[10] جامع العلوم والحكم (2/215: 216).
[11] الحاوي الكبير (15/172).
[12] المستدرك على مجموع الفتاوى (4/10).


