السؤال
ما حكم إجراء الكشف أو الجراحة الطبية من طبيب غير مسلم -سواء أكان من أهل الكتاب أو كان من غيرهم- للرجل المسلم؟
الجواب
لا خلاف بين الفقهاء على أن الطبيب المسلم أولى من غير المسلم من حيث الجملة، وكذا أنه لو لم يوجد غير طبيب غير مسلم جاز علاجه لعدم وجود غيره، ولكن قد اختلفوا في حكم مداوة الطبيب غير المسلم للمسلم عند وجود الطبيب المسلم، والراجح هو قول جمهور الفقهاء من جوازه بشرط ألَّا يؤدي إلى إبطال عبادة، فيجب حينئذ الأخذ بقول طبيب مسلم.
التأصيل الشرعي
الأصل في التداوي أنه من المنافع المباحة بلا شك، قال ابن تيمية: “التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب؛ فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون شرعا لاستحبابه”[1].
ولا خلاف بين الفقهاء على أن الطبيب المسلم أولى من غير المسلم من حيث الجملة، وكذا أنه لو لم يوجد غير طبيب غير مسلم جاز علاجه لعدم وجود غيره، ولكن قد اختلفوا في حكم مداوة الطبيب غير المسلم للمسلم عند وجود الطبيب المسلم على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز بلا كراهة: وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية ورواية عن الحنابلة واختيار ابن تيمية.
قال علاء الدين الحصكفي الحنفي: “وأفاد في النهر تبعا للبحر جواز التطبيب بالكافر فيما ليس فيه إبطال عبادة”[2].
قال ابن قاسم العبادي الشافعي في دخول الذمي المسجد لتطبيب المسلم: “اشترطوا الحاجة دون الضرورة فقضيته جواز دخول الكافر لتطبيب مسلم مثلا مع تأتي التطبيب بمسلم”[3].
ويقول ابن تيمية: “وإذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبه كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله وقد استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مشركا لما هاجر وكان هاديا خريتا ماهرا بالهداية إلى الطريق من مكة إلى المدينة وائتمنه على نفسه وماله وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم وقد روى أن الحارث بن كلدة وكان كافرا أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستطبوه وإذا وجد طبيبا مسلما فهو أولى”.[4]
القول الثاني: الكراهة: وهو مذهب الحنابلة، وبعض المالكية، قال ابن مفلح الحنبلي: “ويكره أن يستطب مسلم ذميا لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يبين مفرداته المباحة، وصرح في المذهب بجوازه”[5].
وهذه الكراهة تزول بالضرورة بأن لم يجد غيره كما بينا من قبل.
وقال ابن الحاج المالكي: “وأشد مما تقدم في القبح وأشنع ما ارتكبه بعض الناس في هذا الزمان من معالجة الطبيب والكحال الكافرين اللذين لا يرجى منهما نصح، ولا خير بل يقطع بغشهما وأذيتهما لمن ظفرا به من المسلمين سيما إن كان المريض كبيرا في دينه أو علمه أو هما معا…وبعض الناس يتحفظ مما تقدم ذكره على زعمه فيأخذ طبيبا مسلما وطبيبا نصرانيا أو يهوديا فيعرض ما يصفه الكافر على المسلم وهذا ليس بشيء أيضا. والجواب عنه من وجوه:
الأول: ما تقدم قبل من أن المسلم قد يغفل عن بعض جزئيات ما وصفه اليهودي أو النصراني.
الثاني: ما فيه من اقتداء الغير به كما تقدم.
الثالث: ما فيه من الإعانة لهم على كفرهم بما يعطيه لهم.
الرابع: ما فيه من ذلة المسلم لهم.
الخامس: ما فيه من تعظيم شأنهم سيما إن كان المريض الذي يباشرونه رئيسا فإنهم يتفاخرون بمعالجته ويتعززون على المسلمين بسبب وصلتهم به والتردد لبابه وقد أمر الشارع -عليه الصلاة والسلام- بتصغير شأنهم وهذا عكسه.
السادس: ما فيه من القبح والشناعة إن كان المريض امرأة مسلمة؛ لأن الكافر عدو الله يتمتع بالنظر إليها ويجسها في بعض الأوقات.
وقد تقدم أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تظهر شيئا من بدنها على النصرانية أو اليهودية فإذا كان هذا في حق المرأة منهن فما بالك بالرجل وقد تحتاج المرأة المسلمة إلى كشف بعض بدنها ليرى موضع الألم منها فيباشر ذلك عدو الله وعدو رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهذا أمر فظيع يقبح سماعه فكيف بتعاطيه فإنا لله وإنا إليه راجعون”[6].
فابن الحاج يكاد يكون كلامه هذا يدل على الحرمة ويجعل قولا ثالثا، ولكنه لما لم يصرح بذلك فاكتفيت في إلحاقه بقول الكراهة.
والراجح هو قول الجمهور من جوازه بشرط ألَّا يؤدي إلى إبطال عبادة، فيجب حينئذ الأخذ بقول طبيب مسلم.
والله تعالى أعلم
[1] مجموع الفتاوى (18/12).
[2] الدر المختار ومعه حاشية ابن عابدين (2/422).
[3] حاشية العبادي على الغرر البهية (1/151).
[4] مختصر الفتاوى المصرية للبعلي (ص 516)، والآداب الشرعية لابن مفلح (2/441).
[5] المبدع شرح المقنع (2/217).
[6] المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات (4/107: 110).


