الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفتاوى الأعمالحكم مداوة الطبيب غير المسلم المسلمة

حكم مداوة الطبيب غير المسلم المسلمة

رقم الفتوي:
390

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

ما حكم إجراء الكشف أو الجراحة الطبية من طبيب غير مسلم -سواء أكان من أهل الكتاب أو كان من غيرهم- للمرأة المسلمة؟

الجواب

الأولى في التداوي حال السعة والاختيار اعتبار اتحاد النوع والدين، فإن لم يجتمعا يقدم اتحاد النوع ثم الدين ثم فقدهما، وعلى ذلك فيباشر علاج المرأة المسلمة -وخاصة إذا كان معه الاطلاع على جسدها- طبيبة مثلها وتكون مسلمة، فإذا فقدت أو لم يسع الوقت فالطبيبة غير المسلمة، ثم الطبيب المسلم ثم الطبيب غير المسلم، فهو مؤخر عن كل هؤلاء فلا يلجأ إليه إلا عند فقدهم، أو لم يسع الوقت عند الضرورة، ولكن يشترط أن يكون أمينا، وأن لا يتعدى في النظر إلى العورة ومسها إلى ما لا تدعوا إليه الحاجة، وأن لا تكون هناك خلوة محرمة.

التأصيل الشرعي

التداوي هو العلاج قال الجوهري: “داواه عالجه، يقال: هو يُدوي ويداوي أي: يعالج، وتداوى بالشيء أي تعالج به”[1].

والأصل في التداوي أنه من المنافع المباحة بلا شك، وأنه في حال الاختيار اتحاد النوع فيداوي الرجل الرجل والمرأة المرأة، قال الرافعي: “ويشترط في جواز نظر الرجل إلى المرأة ألا يكون هناك امرأة تعالج”[2].

قال الخطيب الشربيني: “فللرجل مداواة المرأة وعكسه…ويشترط عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة وعكسه”[3].

وعدم امرأة هنا مطلقا فيشمل المسلمة والكافرة على الصحيح، قال الخطيب الشربيني: “وأن لا يكون ذميا مع وجود مسلم، وقياسه كما قال الأذرعي أن لا تكون كافرة أجنبية مع وجود مسلمة على الأصح، صرح به في الكفاية، ولو لم نجد لعلاج المرأة إلا كافرة ومسلما، فالظاهر كما قال الأذرعي أن الكافرة تقدم؛ لأن نظرها ومسها أخف من الرجل بل الأشبه عند الشيخين كما مر أنها تنظر منها ما يبدو عند المهنة بخلاف الرجل”[4].

فإذا دعت الضرورة إلى اختلاف النوع فيباح للضرورة، وهو متفق عليه بين المذاهب الأربعة:

قال الإمام أبو الفضل الموصلي الحنفي في الاختيار: “(والنظر إلى العورة حرام إلا عند الضرورة كالطبيب والخاتن والخافضة والقابلة، وقد بينا العورة في) كتاب (الصلاة) والأصل في ذلك قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات} [النور: 31] الآية، معناه يسترونها من الانكشاف لئلا ينظر إليها الغير نقلا عن المفسرين، وقال – عليه الصلاة والسلام -: «ملعون من نظر إلى سوأة أخيه»،

فأما حالة الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات، ألا ترى أن الله أباح شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ومال الغير حالة المخمصة وما إذا غص، وهذا لأن أحوال الضرورات مستثناة، قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، وقال: {لا تكلف نفس إلا وسعها} [البقرة: 233] ؛ وفي اعتبار حالة الضرورة حرج وتكليف ما ليس في الوسع، ولأن هذه الأفعال مأمور بها، فعند بعضهم هي واجبة، وعند البعض سنة مؤكدة، ولا يمكن فعلها إلا بالنظر إلى محالها، فكان الأمر بها أمرا بالنظر إلى محالها ويلزم منه الإباحة ضرورة.

وينبغي للطبيب أن يعلم امرأة مداواتها، لأن نظر المرأة إلى المرأة أخف من نظر الرجل إليها لأنها أبعد من الفتنة، فإذا لم يكن منه بد فليغض بصره ما استطاع تحرزا عن النظر بقدر الإمكان، وكذلك تفعل المرأة عند النظر إلى الفرج عند الولادة وتعرف البكارة، ألا يرى أنه يجوز النظر إليه لتحمل الشهادة على الزنا ولا ضرورة فهذا أولى، والعورة في الركبة أخف فكاشفها ينكر عليه برفق، ثم الفخذ وكاشفه يعنف على ذلك؛ ثم السوأة فيؤدب كاشفها”[5].

وقال الإمام الماوردي الشافعي: “والمباح على ثلاثة أقسام:

أحدها: أن يكون لضرورة كالطبيب يعالج موضعا من جسد المرأة، فيجوز أن ينظر إلى ما دعت إليه الحاجة إلى علاجه من عورة وغيرها، إذا أمن الافتتان بها ولا يتعدى بنظره إلى ما لا يحتاج إلى علاجه”[6].

وقال العمراني الشافعي: “ويجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى بدن الآخر إذا كان طبيباً وأراد مداواته، لأنه موضع ضرورة، فزال تحريم النظر لذلك”[7].

وقال النفراوي المالكي: “وأما لو كان مطلوب الطبيب في عورتها فإنه يبقر الثوب عن الموضع المألوم لينظر إليه الطبيب وظاهره ولو كان المرض بفرجها للضرورة، وينبغي أو يتعين أن محل ذلك إذا كان الطبيب لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا برؤيته بنفسه، وأما لو كان الطبيب يكتفي برؤية النساء ويصفنه له فلا أظن أحدا يقول بجواز رؤية الرجل لفرج المرأة”[8].

وقال ابن مفلح الحنبلي: “إن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى الفرجين وكذا الرجل مع الرجل قال ابن حمدان: وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى فرجيه.

قال القاضي يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة إليها نص عليه في رواية المروذي وحرب والأثرم وكذلك يجوز للمرأة، وللرجل أن ينظر إلى عورة الرجل عند الضرورة نص عليه في رواية حرب والمروذي”[9].

ويشترط عند اختلاف النوع عند الضرورة ثلاثة شروط:

الأول: ألَّا يتعدى في النظر إلى العورة ومسها إلى ما لا تدعوا إليه الحاجة كما سبق تقريره.

الثاني: ألَّا تكون هناك خلوة محرمة قال الخطيب الشربيني: “فلرجل مداواة المرأة وعكسه، وليكن ذلك بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة إن جوزنا خلوة أجنبي بامرأتين، وهو الراجح”[10].

الثالث: أن يكون أمينا، قال الدميري: “وقيد في (الكافي) الطبيب بالأمانة فلا يعدل إلى غير الأمين مع وجوده”[11].

فإذا تحققت هذه الشروط فيباح التداوي مع اختلاف النوع.

فإذا كان مع اختلاف النوع غير مسلم فحينئذ يقدم في علاج المرأة المسلمة الطبيب المسلم كما سبق، فإن لم نجد إلا طبيبا غير مسلم، أو كان الوقت لا يسع ولا يوجد أقرب منه فحينئذ يباح بالشروط المذكورة، فخلاصة الترتيب إن كانت المريضة امرأة فيعتبر وجود طبيبة مسلمة، فإن تعذرت فالمحرم مطلقا، فإن تعذر فطبيبة كافرة، فإن تعذرت فأجنبي مسلم، فإن تعذر فأجنبي كافر[12].

والله تعالى أعلم

[1] صحاح اللغة مادة (دوا)، (6/2343).

[2] العزيز شرح الوجيز (7/ 482).

[3] مغني المحتاج (4/215).

[4] السابق نفس الجزء والصفحة

[5] الاختيار لتعليل المختار (4/154).

[6] الحاوي الكبير (9/35).

[7]  البيان في مذهب الإمام الشافعي (9/129).

[8] الفواكه والدواني (2/277).

[9] الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/442).

[10] مغني المحتاج (4/215).

[11] النجم الوهاج في شرح المنهاج (7/33).

[12] انظر مغني المحتاج (4/216).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات