السؤال
أعمل نجارًا، وقد اتفقت مع أحد الأشخاص على أن أقوم بعمل شبابيك وأبواب الشقة كاملة، واتفقنا على المدة والأجرة، وبعد انتهاء العمل ذهبت لأحمل معدات وأدوات النجارة الخاصة بي من الشقة، لكنه رفض ذلك، ويدعي أن بعض تلك الأدوات -كصفائح المنشار، وورق الصنفرة … وغيرها- هي ملكه بحجة أنني اشتريتها من ماله عند نزولي لشراء الأخشاب التي دفع لي ثمنها، فبَيَّنت له أن تلك الأدوات كانت عندي في الورشة ولم أشترِها من ماله مع الأخشاب، لكننا لم نصل إلى حَلٍّ نتراضى عليه، فما هو الحكم الشرعي في ذلك؟
الجواب
الحكم الشرعي في حالة اختلاف النجار وصاحب البيت حول ملكية أدوات النجارة المستخدمة في العمل، أنها تكون مالكًا للنجار؛ لأن العادة تحكم بأن أصحاب الحرف والصنائع -ومنهم النجار- يحملون أدواتهم ومعداتهم في أماكن عملهم.
التأصيل الشرعي
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[1].
قال الإمام البغوي -عند تفسيره لهذه الآية الكريمة-: “قوله تعالى: {عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} أي: بطيبة نفس كل واحد منكم”[2].
فادعاء صاحب البيت بأن بعض الأدوات التي تستخدم في أعمال النجارة-كصفائح المنشار، وورق الصنفرة … وغيرها- هي ملكه، هذا يحتاج إلى دليل وحجة؛ كوجود فاتورة شراء باسمه، أو نزوله بنفسه مع النجار لشراء الخشب وتلك الأدوات ودفعه الثمن لكلٍّ منهما، ونحو ذلك مما يجعلنا نتأكد من أن تلك الأدوات هي ملكه وليست ملكًا للنجار.
أما في حالة عدم وجود دليل على ملكية صاحب البيت لتلك الأدوات والمعدات المستخدمة في مهنة النجارة، وحصل الخلاف بينه وبين النجار، بحيث ادعى كل واحد منهما ملكيته لهذه الأدوات، فإن الفقهاء قد نصوا في هذه الحالة على أنَّ تلك الأدوات والمعدات الخاصة بالنجارة تكون ملكًا للنجار؛ لأن العادة تحكم بأن يحمل كل صاحب صناعة وحرفة أدواته ومعداته معه في مكان عمله، قال الإمام ابن قدامة: “وإذا كان الخياط في دار غيره، فاختلفا في الإبرة والمقص، فهي للخياط؛ لأن تصرفه فيهما أكثر وأظهر، والظاهر معه؛ لأن الإنسان إذا دعا خياطا ليخيط له، فالعادة أنه يحمل معه إبرته ومقصه، وإن اختلفا في القميص فهو لصاحب الدار؛ إذ ليست العادة أن يحمل القميص معه يخيطه في دار غيره، وإنما العادة أن يخيط قميص صاحب الدار فيها، وإن اختلف صاحب الدار والنجار في القدوم، والمنشار، وآلة النجارة، فهي للنجار”[3].
إذن في حالة عدم الاتفاق والتراضي بين كُلٍّ من صاحب الشقة والنجار حول ملكية بعض أدوات النجارة الموجودة في الشقة بعد انتهاء النجار من عمله ولم يصلا إلى حَلٍّ، فإنها تكون ملكًا للنجار.
والله تعالى أعلم
[1] [النساء: 29].
[2] معالم التنزيل في تفسير القرآن، للبغوي (2/ 199).
[3] المغني، لابن قدامة (10/ 285).


