الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالمهن والحرفحكم الأجرة التي يأخذها الحلاق جراء قيامه بحلق شعر اللحية

حكم الأجرة التي يأخذها الحلاق جراء قيامه بحلق شعر اللحية

رقم الفتوي:
527

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أعمل حلاقًا في صالون حلاقة (كوافير)، حيث أقوم بتصفيف الشعر للزبائن والعناية به وتهذيبه، ومن ضمن عملي أن يأتي لي زبون فيطلب مني أن أقوم بحلق لحيته مع العلم أن مذهبي هو وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها، وليس لي مهنة أتكسب منها خلاف هذه المهنة، فهل هذا جائز شرعًا، وما حكم الأجرة التي آخذها جرَّاء هذا العمل؟

الجواب

حلق اللحية من المسائل الخلافية، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بحرمته، بينما ذهب الشافعة إلى القول بكراهة حلقها بناءً على أن إعفائها من سنن الفطرة وليس واجبًا عندهم.

ويجوز للسائل أن يقلد رأي الشافعية حتى وإن كان معتقده الشخصي هو الحرمة؛ رفعًا للحرج والمشقة عن نفسه.

فيجوز أن يقوم بحلق اللحية لمن طلب ذلك منك، ولا حرج عليك، وما تتحصل عليه من مال أو أجرة هو حلال لا حرج فيه بإذن الله.

التأصيل الشرعي

دعا الإسلام إلى الجمال والطهارة والزينة، فكما اهتم بباطن الإنسان وتخليته من الآفات والشوائب اهتم كذلك بظاهره وهيئته، فأمره بالتزين والتنظف، قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[1].

وقال تعالي: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}[2].

وعن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “لا يدخل النارَ مَنْ كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنةَ من كان في قلبه مثقال حبة من كِبْر”، فقال رجل: يا رسول الله، إني لُيعْجبني أن يكون ثوبي غَسيلاً، ورأسي دَهيناً، وشِرَاك نعلي جديداً، وذكر أشياء، حتى ذكر علاقة سوطه، أفمن الكبر ذَاكَ يا رسول الله؟، قال: “لا، ذاك الجَمال، إن الله جميل يحبّ الجَمال، ولكن الكبر منْ سَفهَ الحق وازْدَرَى الناس”[3].

وهذا أمر موافق للفطرة؛ لأن النفوس السوية مجبولة على حب الجمال والهيئة الحسنة، بخلاف الهيئة القبيحة فإنها تفر منها وتبعد عنها.

وما يقوم به الحلاق في مجمل أعماله مرده إلى الاهتمام بالشعر والبشرة من حيث التجميل والتزيين، وهو أمر دعا إليه الشرع وحض عليه أتباعه طالما أنه منضبط بضوابط الشرع أمرًا ونهيًا.

وأما عن سؤال السائل عن حكم قيامه بحلق لحى الزبائن بناء على طلبهم، فنجيب بالآتي:

أن جمهرة أهل العلم ذهبوا إلى وجوب إعفاء اللحية وحرمة حلقها، وأن حالقها آثم شرعًا، وذلك بناء على الأمر الوارد في الحديث النبوي: “خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب”[4].

فذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وبعض الشافعية، فحملوا الأمر على الوجوب[5].

بينما ذهب بعض أهل العلم إلى أن إطلاق اللحية أمر مستحب شرعًا وليس واجبًا، وأنها من سنن العادات، وحملوا الأمر الوارد في الحديث على جهة الندب الاستحباب، وأنه يكره حلقها كراهة تنزيه، وممن قال بهذا الشافعية في معتمد مذهبهم وأفراد من مذاهب أخرى، وهذه بعض نصوصهم:

1- قال النووي: “سبق في الحديث أن إعفاء اللحية من الفطرة فالإعفاء بالمد: قال الخطابي وغيره هو توفيرها وتركها بلا قص: كره لنا قصها كفعل الأعاجم“[6].

2- قال الشيخ أبوبكر شطا الدمياطي: “المعتمد عند الغزالي وشيخ الإسلام وابن حجر في التحفة والرملي والخطيب وغيرهم: الكراهة”[7].

3- قال ابن حجر الهيتمي: “ذكروا هنا في اللحية ونحوها خصالا مكروهة منها نتفها وحلقها”[8].

4- وجاء في أسنى المطالب: “(و) يكره (نتفها) أي اللحية أول طلوعها إيثارا للمرودة وحسن الصورة”[9].

5- وجاء في الشرح الكبير: “ويستحب إعفاء اللحية لما ذكرنا من الحديث”[10].

6- وقال عياض: “يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن”[11].

ومما سبق نرى أن المسألة خلافية، وإن كان القائل بالحرمة هو جمهور الفقهاء إلا أن هناك رأيًا وجيهًا يرى غير ذلك وهو رأي السادة الشافعية.

والمسلم في هذه الأحوال لا بأس عليه أن يقلد من أجاز ذلك من أهل العلم حتى وإن كان معتقده الشخصي هو الحرمة، خاصة وأن الخلاف في إطار المذاهب الأربعة المعتمدة للفتيا، مع كون تقليد من أجاز حلق اللحية يرفع الحرج والمشقة عن صاحب السؤال وغيره، فإذا امتنع عن القيام بحلق اللحية سيترتب عليه ترك وظيفته -غالبًا- لأن هذا العمل أصبح من لوازم هذه الوظيفة لا ينفك عنها، أضف إلى ذلك أنه مما عمت به البلوى فكثير من المسلمين في أقطار كثيرة يحلقون لحاهم، فلوا اعتمدنا القول بالحرمة -كما هو مذهب الجمهور- لجميع الأقطار دون النظر إلى مستجدات الوقائع والأعراف؛ لأدى ذلك إلى مالا يخفى من الحرج والضرر الشديدين، يقول العلامة النفراوي: “قال بعض المحققين: المعتمد أنه يجوز تقليد الأربعة، وكذا من عداهم ممن يحفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته”[12].

ويقول السيوطي: “كل المجتهدين على هدي، فكلهم على حق، فلا لوم على أحد منهم، ولا ينسب إلى أحد منهم تخطئة، لقوله: “فأيما أخذتم به اهتديتم”، فلو كان المصيب واحداً، والباقي خطأ، لم تحصل الهداية بالأخذ بالخطأ، وقال ابن سعد في “الطبقات”: أنبأنا قبيصة بن عقبة أنبأنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد قال: كان اختلاف أصحاب محمد رحمة للناس. أخرجه البيهقي في “المدخل”…، وأخرج الخطيب البغدادي في كتاب “الرواة” عن مالك من طريق إسماعيل بن أبي المجالد، قال: قال هارون الرشيد لمالك بن أنس؛ يا أبا عبد الله، نكتب هذه الكتب، ونفرقها في آفاق الإسلام، لنحمل عليها الأمة. قال: يا أمير المؤمنين، إن اختلاف العلماء رحمة من الله على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكل على هدى، وكل يريد الله”[13].

وبناء على ما سبق فيجوز لك أيها السائل الكريم أن تقوم بحلق اللحية لمن طلب ذلك منك -وإن كان هذا يخالف مذهبك ومعتقدك- ولا حرج عليك في هذا، وما تتحصل عليه من مال أو أجرة هي حلال لا حرج فيها بإذن الله.

والله تعالى أعلم

[1]  [الأعراف: 31]

[2] [الأعراف: 32]

[3] مسند الإمام أحمد، (4/136).

[4]  البخاري (5892).

[5]  هذا هو الرأي المشهور والمنصوص عليه في كتب المذاهب المذكورة، ولشهرته وذيوعه اكتفينا بذكر المذاهب على العموم.

[6]  المجموع (1/290).

[7]  إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين (2/ 386).

[8] تحفة المحتاج في شرح المنهاج (9/ 376).

[9] أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 551).

[10] الشرح الكبير على متن المقنع، لشمس الدين ابن قدامة المقدسي (1/105).

[11] فتح الباري (10/350).

[12] الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/356).

[13]  ينظر: جزيل المواهب في اختلاف المذاهب.

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات