السؤال
ما مدى مشروعية الجراحات العلاجية، فعلى حد علمي أنها لم تكن موجودة في العهد النبوي، فما الدليل على مشروعيتها؟
الجواب
الأصل في العلاج أنه من المنافع المباحة، ومن العلاج إجراء الجراحة الطبية وهي جائزة في الشرع دل على جوازها الكتاب والسنة وعمل الأمة، ويشترط لجوازها أن تكون الجراحة نفسها مشروعة بخلاف المحرمة كتغيير الجنس، وأن تكون متعينة للعلاج، وأن يأذن بها المريض، وألَّا يترتب على فعلها ضرر أكبر.
التأصيل الشرعي
الأصل في العلاج أنه من المنافع المباحة بلا شك، قال ابن تيمية: “التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب؛ فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون شرعا لاستحبابه”[1]
ومما يكون وسيلة ناجعة للعلاج إجراء الجراحات الطبية لإزالة المرض أو تقليله، وقد عرف الإنسان قديما أهمية الجراحة لعلاج الأمراض فقد أثبتت الدراسات من خلال الآثار القديمة أن الإنسان قد قام بفعل عدد من الجراحات لعلاج بعض الأمراض التي تصيب الفم والأسنان والأنف والأذن والجمجمة وغيرها، ففي مصر القديمة اكتشفت بعض الآثار المنقوشة ببعض المهام الجراحية خاصة ما يتعلق بجراحة الأسنان وحشوها وتصريف الخراجات، كما عرف الهنود قديما الجراحات الطبية ووصفوها في بعض كتبهم، وفي العهد اليوناني كانت الجراحة الطبية موجودة، واعتنى أطباء اليونان بتطويرها وصنفوا كتبا فيها، وقد اشتهر أبقراط بالكتابة عن عدد من المهام الجراحية، فتكلم عن علاج الأورام بالجراحة، وعلاج الكسور بها، وجراحات الرأس كما في كتابه “القروح وجراحات الرأس”[2].
وتطورت الجراحة عند أطباء المسلمين وألفوا فيها المؤلفات الفريدة ومن أشهرهم الزهراوي[3] صاحب كتاب “التصريف لمن عجز عن التأليف” والمجلد الحادي عشر منه خاص بالجراحة وقد طبع منفردا، وظلت الجراحة في تطور مستمر حتى ظهرت بهذا الحالة من التقدم في العصر الحاضر.
والأصل في الجراحات الطبية أنها جائزة ما دام يقصد بها العلاج، وتعينت طريقا إليه، وأما الجراحات التي ليست للعلاج بل لإلحاق الضرر بصاحبها، أو كانت برضا صاحبها وطلبه ولكنها لم يؤذن بها شرعا كبعض جراحات التجميل وتغيير الجنس فهذه محرمة شرعا.؟
وقد استدل على جواز إجراء الجراحة الطبية العلاجية بالكتاب والسنة وعمل السلف إلى يومنا من غير نكير:
فمن الكتاب قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32]
فعن مجاهد أنه قال: “من أحياها من غرق أو حرق أو هلكة”[4]
وعن ابن عباس: “أن من أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعا”[5].
وأما السنة فأحاديث الحجامة كلها تدل على المشروعية، وكذا حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ»[6].
والقطع للعروق وكيها هي نوع من الجراحة.
وأما عمل السلف فيبينها الحادثة المشهورة للإمام التابعي الجليل عروة بن الزبير بن العوام “لما تآكلت رجله حتى صعدت إلى ساقه فلم يجد الأطباء لها دواء إلا القطع فقطعت”[7].
والمصلحة المعتبرة من حماية الأبدان وحفظها تدل على المشروعية قال الشاطبي: “فلا يمتنع قصد الطبيب لسقي الدواء المر، وقطع الأعضاء المتآكلة، وقلع الأضراس الوجعة، وبط الجراحات الواجعة، وأن يحمي المريض ما يشتهيه، وإن كان يلزم منه إذاية المريض؛ لأن المقصود إنما هو المصلحة التي هي أعظم وأشد في المراعاة من مفسدة الإيذاء التي هي بطريق اللزوم، وهذا شأن الشريعة أبدا، فإذا كان التكليف على وجه، فلا بد منه وإن أدى إلى مشقة؛ لأن المقصود المصلحة، فالتكليف أبدا جار على هذا المهيع”[8].
وبهذه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وإجماع السلف والمصلحة المعتبرة “يتبين لنا جواز الجراحة الطبية، وأن الشريعة الإسلامية لا تمنع من فعلها ما دامت سبيلا لإنقاذ الناس من الهلاك”[9].
ويشترط لإجراء الجراحات الطبية شروط: أن تكون الجراحة نفسها مشروعة بخلاف المحرمة كتغيير الجنس، وأن تكون متعينة للعلاج، وأن يأذن بها المريض، وألَّا يترتب على فعلها ضرر أكبر.
والله تعالى أعلم
[1] مجموع الفتاوى (18/12).
[2] انظر أحكام الجراحة الطبية (ص 48)
[3] قد ألف الدكتور عبد العظيم الديب رسالة عن أبي القاسم الزهراوي وبين فيها فضله في الطب والجراحة.
[4] الهداية إلى بلوغ النهاية لمكب بن أبي طالب (3/1688)، وتفسير ابن كثير (3/93).
[5] تفسير القرطبي (6/146).
[6] أخرجه مسلم في صحيحه (2207).
[7] انظر حلية الأولياء لأبي نعيم (2/179).
[8] الموافقات (2/219: 220).
[9] أحكام الجراحة الطبية (ص64).


