السؤال
ما حكم ذهاب المرأة لطبيب مسلم ذكر ويرى عورتها، والعكس؟
الجواب
الأصل في حال الاختيار اشتراط اتحاد النوع فيداوي الرجلُ الرجلَ والمرأةُ المرأةَ، فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فيباح حينئذ للضرورة ولكن يشترط أن يكون أمينا، وأن لا يتعدى في النظر إلى العورة ومسها إلى ما لا تدعوا إليه الحاجة، وأن لا تكون هناك خلوة محرمة.
التأصيل الشرعي
التداوي هو العلاج قال الجوهري: “داواه عالجه، يقال: هو يُدوي ويداوي أي: يعالج، وتداوى بالشيء أي تعالج به”[1].
والأصل في التداوي أنه من المنافع المباحة بلا شك، وأنه في حال الاختيار اتحاد النوع فيداوي الرجل الرجل والمرأة المرأة، قال الرافعي: “ويشترط في جواز نظر الرجل إلى المرأة ألا يكون هناك امرأة تعالج”[2].
قال الخطيب الشربيني: “فللرجل مداواة المرأة وعكسه…ويشترط عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة وعكسه”[3].
فإذا دعت الضرورة إلى اختلاف النوع فيباح للضرورة، وهو متفق عليه بين المذاهب الأربعة:
قال الإمام أبو الفضل الموصلي الحنفي في الاختيار: “(والنظر إلى العورة حرام إلا عند الضرورة كالطبيب والخاتن والخافضة والقابلة، وقد بينا العورة في) كتاب (الصلاة) والأصل في ذلك قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] وقوله تعالى: {وقل للمؤمنات} [النور: 31] الآية، معناه يسترونها من الانكشاف لئلا ينظر إليها الغير نقلا عن المفسرين، وقال – عليه الصلاة والسلام -: «ملعون من نظر إلى سوأة أخيه»،
فأما حالة الضرورة فالضرورات تبيح المحظورات، ألا ترى أن الله أباح شرب الخمر وأكل الميتة ولحم الخنزير ومال الغير حالة المخمصة وما إذا غص، وهذا لأن أحوال الضرورات مستثناة، قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ، وقال: {لا تكلف نفس إلا وسعها} [البقرة: 233] ؛ وفي اعتبار حالة الضرورة حرج وتكليف ما ليس في الوسع، ولأن هذه الأفعال مأمور بها، فعند بعضهم هي واجبة، وعند البعض سنة مؤكدة، ولا يمكن فعلها إلا بالنظر إلى محالها، فكان الأمر بها أمرا بالنظر إلى محالها ويلزم منه الإباحة ضرورة.
وينبغي للطبيب أن يعلم امرأة مداواتها، لأن نظر المرأة إلى المرأة أخف من نظر الرجل إليها لأنها أبعد من الفتنة، فإذا لم يكن منه بد فليغض بصره ما استطاع تحرزا عن النظر بقدر الإمكان، وكذلك تفعل المرأة عند النظر إلى الفرج عند الولادة وتعرف البكارة، ألا يرى أنه يجوز النظر إليه لتحمل الشهادة على الزنا ولا ضرورة فهذا أولى، والعورة في الركبة أخف فكاشفها ينكر عليه برفق، ثم الفخذ وكاشفه يعنف على ذلك؛ ثم السوأة فيؤدب كاشفها”[4].
وقال الإمام الماوردي الشافعي: “والمباح على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون لضرورة كالطبيب يعالج موضعا من جسد المرأة، فيجوز أن ينظر إلى ما دعت إليه الحاجة إلى علاجه من عورة وغيرها، إذا أمن الافتتان بها ولا يتعدى بنظره إلى ما لا يحتاج إلى علاجه”[5].
وقال العمراني الشافعي: “ويجوز لكل واحد منهما أن ينظر إلى بدن الآخر إذا كان طبيباً وأراد مداواته، لأنه موضع ضرورة، فزال تحريم النظر لذلك”[6].
وقال النفراوي المالكي: “وأما لو كان مطلوب الطبيب في عورتها فإنه يبقر الثوب عن الموضع المألوم لينظر إليه الطبيب وظاهره ولو كان المرض بفرجها للضرورة، وينبغي أو يتعين أن محل ذلك إذا كان الطبيب لا يتوصل إلى معرفة ذلك إلا برؤيته بنفسه، وأما لو كان الطبيب يكتفي برؤية النساء ويصفنه له فلا أظن أحدا يقول بجواز رؤية الرجل لفرج المرأة”[7].
وقال ابن مفلح الحنبلي: “إن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى الفرجين وكذا الرجل مع الرجل قال ابن حمدان: وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منه حتى فرجيه.
قال القاضي يجوز للطبيب أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة إليها نص عليه في رواية المروذي وحرب والأثرم وكذلك يجوز للمرأة، وللرجل أن ينظر إلى عورة الرجل عند الضرورة نص عليه في رواية حرب والمروذي”[8].
ويشترط عند اختلاف النوع عند الضرورة ثلاثة شروط:
الأول: ألَّا يتعدى في النظر إلى العورة ومسها إلى ما لا تدعوا إليه الحاجة كما سبق تقريره.
الثاني: ألَّا تكون هناك خلوة محرمة قال الخطيب الشربيني: “فلرجل مداواة المرأة وعكسه، وليكن ذلك بحضرة محرم أو زوج أو امرأة ثقة إن جوزنا خلوة أجنبي بامرأتين، وهو الراجح”[9].
الثالث: أن يكون أمينا، قال الدميري: “وقيد في (الكافي) الطبيب بالأمانة فلا يعدل إلى غير الأمين مع وجوده”[10].
فإذا تحققت هذه الشروط فيباح التداوي مع اختلاف النوع.
والله تعالى أعلم
[1] صحاح اللغة مادة (دوا)، (6/2343).
[2] العزيز شرح الوجيز (7/ 482).
[3] مغني المحتاج (4/215).
[4] الاختيار لتعليل المختار (4/154).
[5] الحاوي الكبير (9/35).
[6] البيان في مذهب الإمام الشافعي (9/129).
[7] الفواكه والدواني (2/277).
[8] الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/442).
[9] مغني المحتاج (4/215).
[10] النجم الوهاج في شرح المنهاج (7/33).


