السؤال
ما حكم وضع العلاج للمريض في الطعام والشراب دون علمه عند امتناعه؟
الجواب
وضع الدواء المريض في الطعام والشراب دون علمه حال امتناعه مكروه إذا كان نفعه ظنيا، أما إذا كان من قبيل تيقن منفعته أو كان تركه فيه موته وهلاكه بإخبار الطبيب فحينئذ تزول الكراهة.
التأصيل الشرعي
المريض إن كان بالغا عاقلا فينظر في نوع مرضه وسبب امتناعه عن الدواء فإن كان المرض مما لا يؤدي إلى الوفاة بحيث لم يجب عليه التداوي، وامتناعه لأجل قوة رجاءه بالله تعالى والدواء غير متيقن فلا يجوز في هذه الحالة إعطاؤه الدواء بدون علمه؛ لأن تناول الدواء في حقه إما مباح أو مستحب وليس واجبا؛ فللمريض أن يختار التداوي من عدمه كما يشاء وله أن يرفض الدواء،
وإن كان المرض مما يؤدي إلى الوفاة إن لم يتداوى فهذا يجب عليه التداوي ويحرم تركه للدواء وتعريض نفسه للهلاك كمن ينزف أو ما أشبه ذلك فيجب حفظ حياته بعلاجه بدون علمه
وضع الدواء للمريض في الطعام والشراب حال امتناعه عن أخذه بنفسه يعد من قبيل الإكراه عليه، وقد نص الفقهاء على أنه يكره إكراه المريض على أخذ الدواء، قال الإمام النووي في المنهاج: “ويكره إكراهه عليه” وعلله الإمام الدميري بقوله:” لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم) رواه أبو داوود وابن ماجه من حديث عقبة بن عامر”[1].
وفي شرح الشمس الرملي وابن حجر الهيتمي على المنهاج منع التعليل بهذا الحديث لضعفه وإنما العلة فيه التشويش على المريض فقالا: ” (ويكره إكراهه) أي المريض (عليه) أي التداوي وتناول الدواء لأنه يشوش عليه، وأما خبر «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم» فقد ضعفه البيهقي وغيره، وادعى الترمذي أنه حسن”[2].
وعلى استدلال الدميري فإنه يقال: إن الطعام والشراب غير الدواء ولكن أجاب على ذلك القليوبي: ” (لا تكرهوا إلخ) ليس في الدليل مطابقة للمدلول لأن الطعام والشراب في غير التداوي، إلا أن يقال: إنهما يعمان ما فيه الدواء، أو أنه لا فارق بين التداوي وغيره في طلب الترك”[3].
وقال الملا علي قاري الحنفي: ” وفي معناها ما يعطي لهم للدواء”[4].
وقال القرطبي: “منع إكراه المريض على الطعام، والشراب، والدواء كما قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم”[5].
وهذا من حيث الأصل في أن التداوي مستحب ليس بواجب، فإن كان الدواء في حقه واجبا بأن كان في تركه موته وهلاكه بإخبار الأطباء فحينئذ تنتفي هذه الكراهة، قال الشربيني في حاشيته على الغرر البهية: “قال في الروضة: ويكره إكراهه على تناول الدواء اهـ. الظاهر أن هذا إن لم يعلم أو يظن أن تركه يفضي إلى الهلاك كما قيل في أصل التداوي”[6].
وهذا الإكراه المقصود به مطلق إلزامه لا الإكراه الشرعي، قال نور الدين الشبراملسي: “(قوله: ويكره إكراهه) أي الإلحاح عليه وإن علم نفعه له بمعرفة طبيب وليس المراد به الإكراه الشرعي الذي هو التهديد بعقوبة عاجلة ظلما إلى آخر شروطه”[7].
وعلى ذلك فلا إثم على من وضع العلاج للمريض بغير علمه؛ لأن المقصود نفعه وتخفيف المرض عليه، وخاصة إذا كان ممن أثر فيهم المرض بحيث أثر على قواهم العقلية واختيارتهم تبعا لذلك.
والله تعالى أعلم
[1] النجم المنهاج شرح المنهاج (3/95).
[2] انظر نهاية المحتاج (3/19) وتحفة المحتاج شرح المنهاج (3/182).
[3] حاشية القليوبي على شرح المحلي على المنهاج (1/403).
[4] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/2872).
[5] المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/602).
[6] الغرر البهية شرح البهجة الوردية بحواشي ابن قاسم العبادي والشربيني (2/72).
[7] حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج (3/19).


