السؤال
أنا صيدلي ويحدث في معاملاتنا أننا نعلم بأن دواء معينا سيزيد سعره فما حكم شراء كميات منه أو منع بيعه حتى يزيد لأبيعه بالسعر الجديد؟
الجواب
يجب بيع الدواء لمن يحتاجه ولا يجوز منعه مستحقيه، ومن ثبت عليه ذلك ينبغي على الجهة المسؤولة معاقبته لإخلاله بواجب منهته، ويحرم منع الدواء طلبا لبيعه في الغلاء، وأما أن يشتريه بكمية ولا يمنعه من مستحقيه فلا حرج في ذلك ما لم يمنع منه أولو الأمر.
التأصيل الشرعي
الأصل في العلاج أنه من المنافع المباحة بلا شك، قال ابن تيمية: “التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب؛ فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون شرعا لاستحبابه”[1]
وجمع كميات من دواء يتوقع غلاءه في زمن الرخص الدواء ليبيعه في وقت غلاءه فله حالتان:
الأولى: أن يكون مع دفعه لطالبه، وغاية أمره أنه يجمع ما استطاع منه: فهذا جائز لأن جمهور الفقهاء قيدوا الاحتكار المحرم بأن يشتريها وقت الغلاء والضيق، أما إذا كانت موجودة بكثرة والسوق كاسدة ورخيصة، ثم خزنها حتى الغلاء فليس من الاحتكار المحرم نص على ذلك الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية، بل جعلوه أنه قد تكون حاجة الناس لذلك ولولاه لم يجدوه، قال الإمام البغوي: “والاحتكار هو: أن يشتري صاحب المال الكثير الطعام في وقت الغلاء والضيق، ولا يدعه للضعفاء، ثم يحبسه حتى يبيعه منهم بأغلى، إذا انتهت بهم الحاجة، أما من اشترى في الرخص وكساد الأسواق، وحبسه ليبيع في وقت الغلاء بأغلى – فلا بأس به، وهو كالجالب، وقد جاء في الحديث: “الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون”[2].
وقال إمام الحرمين: “والجالب هو الذي يجلب الطعام إلى البلد وقتَ الضيق والغلاء ليوسع على المسلمين، وهو على مضادة المحتكر؛ فإن المحتكر هو الذي يحبس الطعام حتى تزداد الأسعار غلاءً وارتفاعاً، ثم قال الأصحاب: المحتكر الذي يلحقه اللعن والوعيد صاحب مال يشتري الطعامَ ويحبسه، ولا يتركه حتى يشتريه المساكين والضعفاء، فأما من يشتري الطعام في وقت الرخص وكساد الأسواق، ويحبسه ليبيعه إذا غلا، فلا بأس؛ فإن أصل احتكاره وتربّصه كان في رخاء الأسعار، حيث لا ضرار، وربما يكون ما ادخره قائماً مقام الذُّخر للناس، ولولا ادخاره، لكان يضيع، ويتفرق”[3].
وقال ابن قدامة: “ومن اشترى في حال الرخص على وجه لا يضيق على أحد، فليس بمحتكر، لأنه لا ضرر فيه، بل ربما كان نفعاً”[4].
وقال ابن مودود الموصلي: “والاحتكار أن يبتاع طعاما من المصر أو من مكان يجلب طعامه إلى المصر ويحبسه إلى وقت الغلاء، وشرطه أن يكون مصرا يضر به الاحتكار لأنه تعلق به حق العامة، وشرط بعضهم الشراء في وقت الغلاء وينتظر زيادة الغلاء والكل مكروه”[5].
والثانية: أن يمتنع من بيعه للمحتاجين لأجل طلب الغلاء: فهذا محرم ولا يجوز، ومع أن الأصل في البيع أن يكون عن تراض فلا يجبر البائع على البيع ولا المشتري على الشراء، لقول الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ»[6].
هذا من حيث الأصل العام، ولكن قد يعرض له ما يجعل البيع واجبا كما هو في حال الضرورة، فقد نص الفقهاء على أنه من عنده فضل ماء أو طعام يجب بذله للمضطر بعوض فإن لم يفعل يجبر عليه، قال شيخي زاده: ” (وما أحرز من الماء بحب وكوز ونحوه لا يؤخذ إلا برضى صاحبه وله) أي لصاحب الماء المحرز (بيعه) أي بيع الماء لأنه ملكه بالإحراز وصار كالصيد إذا أخذه… (وفي) الماء (المحرز) في الأواني (يقاتل بغير سلاح) يعني عند خوف الهلاك إذا كان فيه فضل من حاجته ولا يقاتله بالسلاح لأنه ملكه بالإحراز حتى كان له تضمينه إلا أنه مأمور أن يدفع إليه قدر حاجته فبالمنع خالف الأمر فيؤديه إلى القتال كما في الاختيار (كما في الطعام حال المخمصة)”[7].
ولذلك قال المناوي: “وقول النبي: ” إنما البيع عن تراض ” مع أنه قد يجب لنحو مضطر وكم له من نظير”[8].
ومن ذلك بيع الدواء فإن يلزمه بيعه لطالبه لأمرين:
الأول: من جهة العمل فإنه يتعين عليه بيع الدواء لطالبه لواجب مهنته، واللوائح والقوانين المنظمة لذلك، ويجب عليه تنفيذها لما فيه من مصلحة عامة، لما هو مقرر في مسألة طاعة الحاكم فيما يأمر به، أو ينهى عنه، لتحقيق مصلحة عامة، أو دفع مفسدة، فيطاع فيه ظاهرا وباطنا قال ابن حجر الهيتمي: “الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهرا فقط بخلاف ما فيه ذلك يجب باطنا أيضا، والفرق ظاهر وأن الوجوب في ذلك على كل صالح له عينا لا كفاية إلا إن خصص أمره بطائفة فيختص بهم”[9].
وهذا مخصص لطائفة معينة وهم الصيادلة وتجب عليهم تنفيذ ما هو منوط بهم ووكل إليهم.
الثاني: من جهة الضرورة فإن المريض الذي يحتاج الدواء يجب دفع الدواء إليه ما دام مالكه لا يحتاج له في نفسه ويجب بذله بثمنه كما سبق مثله في الطعام والشراب.
والله تعالى أعلم
[1] مجموع الفتاوى (18/12).
[2] التهذيب للبغوي (3/585).
[3] نهاية المطلب (6/64).
[4] الكافي في فقه الإمام أحمد (2/25)
[5] الاختيار لتعليل المختار (4/106).
[6] أخرجه ابن ماجه في سننه (2185) قال البوصيري: ” إسناده صحيح ورجاله موثقون رواه ابن حبان في صحيحه”.
[7] مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/563).
[8] فيض القدير (1/49).
[9] تحفة المحتاج (3/71).


