السؤال
أنا صيدلي ويحدث كثيرا أن يكون بعض الأدوية ناقصة من السوق، وتكون في الصيدلية بكميات قليلة، فما الحكم عدم بيع هذه الكمية إلا لمن يشتري تكون فاتورة العلاج تتعدى قيمة معينة؟
الجواب
يجب بيع الدواء لمن يحتاجه ولا يجوز منعه مستحقيه، ومن ثبت عليه ذلك ينبغي على الجهة المسؤولة معاقبته لإخلاله بواجب مهنته.
التأصيل الشرعي
الأصل في العلاج أنه من المنافع المباحة بلا شك، قال ابن تيمية: “التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب؛ فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته وقد يكون شرعا لاستحبابه”[1]
والأصل في البيع أن يكون عن تراض فلا يجبر البائع على البيع ولا المشتري على الشراء، لقول الحق سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ»[2].
هذا من حيث الأصل العام، ولكن قد يعرض له ما يجعل البيع واجبا كما هو في حال الضرورة، فقد نص الفقهاء على أنه من عنده فضل ماء أو طعام يجب بذله للمضطر بعوض فإن لم يفعل يجبر عليه، قال شيخي زاده: ” (وما أحرز من الماء بحب وكوز ونحوه لا يؤخذ إلا برضى صاحبه وله) أي لصاحب الماء المحرز (بيعه) أي بيع الماء لأنه ملكه بالإحراز وصار كالصيد إذا أخذه… (وفي) الماء (المحرز) في الأواني (يقاتل بغير سلاح) يعني عند خوف الهلاك إذا كان فيه فضل من حاجته ولا يقاتله بالسلاح لأنه ملكه بالإحراز حتى كان له تضمينه إلا أنه مأمور أن يدفع إليه قدر حاجته فبالمنع خالف الأمر فيؤديه إلى القتال كما في الاختيار (كما في الطعام حال المخمصة)”[3].
ولذلك قال المناوي: “وقول النبي: ” إنما البيع عن تراض ” مع أنه قد يجب لنحو مضطر وكم له من نظير”[4].
ومن ذلك بيع الدواء فإن يلزمه بيعه لطالبه لأمرين:
الأول: من جهة العمل فإنه يتعين عليه بيع الدواء لطالبه لواجب مهنته، واللوائح والقوانين المنظمة لذلك، ويجب عليه تنفيذها لما فيه من مصلحة عامة، لما هو مقرر في مسألة طاعة الحاكم فيما يأمر به، أو ينهى عنه، لتحقيق مصلحة عامة، أو دفع مفسدة، فيطاع فيه ظاهرا وباطنا قال ابن حجر الهيتمي: “الذي يظهر أن ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامة لا يجب امتثاله إلا ظاهرا فقط بخلاف ما فيه ذلك يجب باطنا أيضا، والفرق ظاهر وأن الوجوب في ذلك على كل صالح له عينا لا كفاية إلا إن خصص أمره بطائفة فيختص بهم”[5].
وهذا مخصص لطائفة معينة وهم الصيادلة وتجب عليهم تنفيذ ما هو منوط بهم ووكل إليهم.
الثاني: من جهة الضرورة فإن المريض الذي يحتاج الدواء يجب دفع الدواء إليه ما دام مالكه لا يحتاج له في نفسه ويجب بذله بثمنه كما سبق مثله في الطعام والشراب.
والله تعالى أعلم
[1] مجموع الفتاوى (18/12).
[2] أخرجه ابن ماجه في سننه (2185) قال البوصيري: ” إسناده صحيح ورجاله موثقون رواه ابن حبان في صحيحه”.
[3] مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر (2/563).
[4] فيض القدير (1/49).
[5] تحفة المحتاج (3/71).


