السؤال
أمتلك شركة للمقاولات، وبعد فترة زمنية من العمل في مجال المقاولات مع الجدية والالتزام في تنفيذ الأعمال أصبح لنا سمعة طيبة، وأصبح الحصول على عقود مقاولات جديدة أمر ميسور، فهل إذا قمت بعد التعاقد مع الشركات الأخرى بإحضار مقاولا من الباطن لتنفيذ الأعمال وأعطيته جزء من قيمة العقد وحصلت شركتي على الباقي مقابل متابعة العمل وتسليمه للجهة مالكة المشروع، هل في ذلك حرج شرعا؟
الجواب
يجوز للمقاول الأصلي الاستعانة بمقاول آخر أو عدد من المقاولين لإنجاز العمل المطلوب، ما دام أنه سيتم على النحو الذي طلبه مالك المشروع؛ وذلك مشروط بعدم اشتراط المالك على المقاول الأصلي تنفيذ العمل بنفسه.
التأصيل الشرعي
المقاولة من العقود المستحدثة التي اقتضتها طبيعة المعاملات المالية في العصر الحديث، وتعريفها القانوني أنها: “عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئا أو يؤدي عملا لقاء أجر يتعهد به المتعاقد الآخر”[1].
وهي وإن كانت معاملة مستحدثة إلا أنها تكيف فقها على أنها إجارة، أو عقد استصناع، فإذا كان المقاول يورد المواد التي يحتاجها في عمله فهي استصناع، وإن كان يقوم بالعمل فقط دون أن يورد أي مواد فهي إجارة.
ومن خلال ما ورد في السؤال فإن عقد المقاولة في الأعمال الهندسية في أغلب صوره يشتمل على إحضار مواد البناء والتشطيب والقيام بالأعمال الإنشائية وما يلزمها وفق اشتراطات محددة، وهذا هو عقد الاستصناع الذي أجازه الأحناف[2].
وقد استدلوا على جواز عقد الاستصناع بأدلة منها: قول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسنا؛ فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا؛ فهو عند الله قبيح»[3].
حيث عمل الناس بعقد الاستصناع من غير نكير، لوجود الحاجة الداعية إليه.
“ولأن فيه معنى عقدين جائزين، – وهو السلم والإجارة -؛ لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين؛ كان جائزا”[4].
والمقاولة من الباطن: هي اتفاق بين المقاول الأصلي ومقاول آخر على أن يقوم الثاني بتنفيذ الأعمال المسندة إلى الأول، أو جزء منها مقابل أجر[5].
وسواء كانت صورة عقد المقاولة إجارة فقط، أو استصناع فقط، أو إجارة واستصناع معا، فيجوز للمقاول الأصلي توكيل غيره في بعض أو كل الأعمال التي تعاقد عليها، ما لم يشترط في العقد قيامه بالعمل بنفسه.
وذلك لأن للأجير أن يستعين بغيره في القيام بالعمل عند الإطلاق، قال الإمام الكاساني: “وللأجير أن يعمل بنفسه وأجرائه إذا لم يشترط عليه في العقد أن يعمل بيده؛ لأن العقد وقع على العمل، والإنسان قد يعمل بنفسه وقد يعمل بغيره؛ ولأن عمل أجرائه يقع له فيصير كأنه عمل بنفسه، إلا إذا شرط عليه عمله بنفسه”[6].
وجاء في المادة: (572) من مجلة الأحكام العدلية: “لو أطلق العقد حين الاستئجار فللأجير أن يستعمل غيره”[7].
وإذا كانت صورة عقد المقاولة استصناع، فيجوز كذلك عند الأحناف أن يستعين بغيره في القيام بالعمل، وقد أجازوا أيضا أن يشتري الصانع أن يحضر السلعة من عند غيره.
قال الإمام الكاساني: “لو اشترى من مكان آخر، وسلم إليه؛ جاز”[8].
وعلى هذا فالمقصود من عقد المقاولة هو إيجاد العمل مع توريد المواد اللازمة لإنجازه على الوجه المطلوب، وقد يحصل المقاول ذلك بنفسه أو بمن يتعاقد معه لإنجاز العمل، فلا حرج من التعاقد مع مقاول آخر من الباطن أو مقاولين ما دام أن العمل سيتم على نحو ما أراده المالك.
وذلك مع التأكيد على أن جواز الاستعانة بمقاول من الباطن مشروط بأن يكون المالك لم يشترط على المقاول الأصلي تنفيذ العمل بنفسه، فلو شرط ذلك فلا يجوز حينئذ إسناد العمل لمقاول الباطن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما”[9].
وهذا الشرط لا يحرم حلالا ولا يحل حراما فيكون صحيحا شرعا، ويجب الوفاء به.
والله تعالى أعلم
[1] القانون المدني المصري، المادة: (646).
[2] يراجع: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، علاء الدين الكاساني، (5/ 2).
[3] أخرجه أحمد موقوفا على ابن مسعود بإسناد حسن وكذلك أخرجه البزار والطيالسي والطبراني وأبو نعيم في ترجمة ابن مسعود والبيهقي في كتاب الاعتقاد وأخرجه أيضا من وجه آخر عن ابن مسعود. الدراية في تخريج أحاديث الهداية (2/ 187).
[4] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (5/ 3).
[5] المعاملات المالية أصالة ومعاصرة، (8/435).
[6] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (4/ 208).
[7] مجلة الأحكام العدلية (ص: 106)
[8] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (5/ 3).
[9] سنن الترمذي حديث رقم (1352).


