السؤال
عندي شركة لبيع اللحوم المجمدة، وهناك بعض اللحوم قد انتهت صلاحيتها، لكن أحد أصحاب المطاعم طلب مني أن أقوم ببيعها له بثمن أقل من سعرها بدلًا من أن أتخلص منها، على أن يقوم هو بعد شرائها مني باستخدامها فيما يبيعه للناس في صورة طعام مطهي وجاهز، لكن بشرط أن أكتب له فاتورة تفيد بأن اللحوم المباعة له ما زالت في تاريخ صلاحيتها؟
الجواب
لا يجوز شرعًا للسائل أن يقوم ببيع اللحوم المجمدة المنتهية الصلاحية لصاحب المطعم؛ لأن هذا يُعَدُّ من الإعانة على المعصية لإيصال الضرر إلى الناس، ويزاد الأمر حرمة وإثمًا إذا قدم له فواتير شراء تفيد بأن هذا اللحم المباع له ما زال في تاريخ صلاحيته؛ فهو بذلك يُعَدُّ مشاركًا في المعصية والإثم بالكذب والتدليس.
التأصيل الشرعي
قد حذرنا الشرع الشريف من الغش في البيع والشراء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي»[1].
ولا شك أن تعمد بيع كل ما يؤدي إلى وقع ضرر بصحة الأدمي أمر محرم شرعًا، وذلك نحو بيع اللحوم المنتهية الصلاحية
فقيام صاحب المطعم ببيع تلك اللحوم المنتهية الصلاحية للناس في صورة طعام مطهي وجاهز يُعَدُّ أمر حرام شرعًا وكبيرة من الكبائر؛ وذلك لأنه اشتمل على عدة محظورات شرعية، منها: الغش، والخداع، وإيقاع الضرر بصحة الناس؛ فقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ»[2].
وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن التاجر الصادق له منزلة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى؛ فقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ»[3].
قال الإمام الطيبي: “وإنما قلنا: إن الوصف مناسب للحكم؛ لأن «الصدوق» بناء مبالغة من الصدق كالصديق، وإنما يستحق التاجر هذا الوصف إذا كثر تعاطيه الصدق قولا وفعلا، وهذا أخص أوصاف النبيين، وكذلك «الأمين» بناء مبالغة فحكمه حكم الصدوق؛ لأن الأنبياء ليسوا غير أمناء الله علي عباده، فلا غرو ولا عجب لمن اتصف بهذين الوصفين أن ينخرط في زمرة النبيين والصديقين والشهداء، وقليل ما هم”[4].
وعليه فإنه لا يجوز شرعًا أن يقوم صاحب شركة اللحوم ببيع تلك اللحوم المنتهية الصلاحية لصاحب المطعم؛ لأن هذا يُعَدُّ من أكل أموال الناس بالباطل؛ يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[5]، بل يزاد الأمر حرمة وإثمًا إذا قدم له فواتير شراء تفيد بأن هذه اللحوم المباعة له ما زالت في تاريخ صلاحيتها؛ فهو بذلك يُعَدُّ مشاركًا في المعصية والإثم؛ وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[6].
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه مسلم في “صحيحه” (102).
[2] أخرجه الترمذي في “جامعه” (1941)..
[3] أخرجه الترمذي في “جامعه” (1209).
[4] الكاشف عن حقائق السنن، للطيبي (7/ 2118).
[5] [النساء: 29].
[6] [المائدة: 2].


