السؤال
أعمل في مجال بيع ألعاب الأطفال، وقد عرض علي بعض الناس أن أقوم بالمتاجرة في بيع الألعاب النارية؛ لأن الربح فيها يكون كثيرًا، خاصة في ظل زيادة الطلب عليها من فئة الأطفال، فما حكم الشرع في المتاجرة بهذا النوع من الألعاب النارية؟
الجواب
لا يجوز شرعًا بيع الألعاب النارية لعوام الناس وخاصة الأطفال، لأنها تؤدي إلى ترويع الناس وإزعاجهم، وقد يحصل بسببها كوارث وحرائق وأضرار لمن يلعب بها أو لمن حوله، كما أن شراء هذه الألعاب النارية فيه إضاعة للمال دون فائدة، لكن يجوز المتاجرة فيها إذا كانت مطلوبة لجهات معينة ومسؤولة عن التعامل مع هذه الألعاب النارية، وذلك في مناسبات خاصة وأماكن معينة مخصصة لهذا النوع من الألعاب.
التأصيل الشرعي
يُعتبر اللعب والترويح عن النفس في الإسلام أمرًا مشروعًا ومطلوبًا، حيث أن الشرع الشريف راعى طبيعة النفس البشرية وما تعانيه من ضعف، وحاجتها إلى الترفيه واللعب بين الحين والآخر، ويكون هذا الاحتياج أكثر وضوحًا في مرحلة الطفولة مقارنةً بالكبر، وقد أذنت الشريعة بأنواع مختلفة من اللهو مثل السباحة والفروسية، وكل ما يُسهم في الحفاظ على الصحة والعقل وتطوير الجسم؛ فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِي عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الثَّلاَثَةَ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِي بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ وَقَالَ: صلى الله عليه وآله وسلم ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إِلاَّ رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلاَعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ»[1].
فما كان يُساهم في بناء الجسم والحفاظ على العقل والصحة يُعتبر مسموحًا للعب به في جميع مراحل الحياة، أما بالنسبة للتسلية واللعب بأشياء لا تحمل فائدة، مثل الألعاب النارية، فإنها تُعتبر محظورة بسبب الأضرار الناتجة عنها والأذى الذي تلحقه بالناس، سواء من الأصوات المزعجة التي تُحدثها أو من النار والشرار الذي قد يؤدي إلى حوادث مؤسفة، فالأذى الذي يلحق بالنفس والآخرين يُعد أمرًا محرمًا. والقاعدة المُتعارف عليها تشير إلى أن “الوسائل تأخذ أحكام المقاصد”.
قال الإمام العز بن عبد السلام: “وللوسائل أحكام المقاصد، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أرذل المقاصد هي أرذل الوسائل”اهـ[2].
فإن وسيلة المحرم تُعتبر محرمة، وأذية النفس وإلحاق الضرر بها، وكذلك إزعاج الناس وإيذاؤهم، تُعتبر أمورًا محظورة، وكل ما يؤدي إلى ذلك يُعد محرمًا أيضًا.
بالإضافة إلى ذلك فإن استخدام هذه الألعاب قد ينتج عنه ترويع الناس وإخافتهم؛ فعن ابْنِ أَبِى لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في مَسِيرٍ فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهَا فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ فَضَحِكَ الْقَوْمُ فَقَالَ مَا يُضْحِكُكُمْ فَقَالُوا لاَ إِلاَّ أَنَّا أَخَذْنَا نَبْلَ هَذَا فَفَزِعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا»[3].
قال الصنعاني: “(لا يحل لمسلم أن يروع) يفزع (مسلما) ولو هازلا وهو المراد إذ الجد معلوم أنه لا يحل له أن يفزع مسلما”[4].
وأيضا فإن شراء هذه الألعاب يُعتبر إضاعة للمال وإتلافًا له دون أي فائدة، ويُعد إنفاق المال في غير موضعه من الإسراف والتبذير الممنوع شرعًا؛ قال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}[5].
لذا لا يجوز المتاجرة في الألعاب النارية بحجة أن فيها نوع من الترفيه والتسلية للأطفال، بل إن الألعاب النارية تؤدي إلى ترويع الناس وإزعاجهم، وقد يحصل بسببها كوارث وحرائق وأضرار لمن يلعب بها أو لمن حوله، كما أن شراء هذه الألعاب النارية فيه إضاعة للمال دون فائدة.
لكن هناك بعض الحالات التي يجوز المتاجرة فيها بهذا النوع من الألعاب النارية، كان تكون تلك الألعاب مطلوبة لجهات معينة ومسؤولة عن التعامل مع هذه الألعاب النارية، وذلك في مناسبات خاصة وأماكن معينة مخصصة لهذا النوع من الألعاب.
والله تعالى أعلم
[1] أخرجه ابن ماجه في “سننه”، (2811).
[2] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام (1/ 53-54).
[3] أخرجه أحمد في “مسنده”، (23064).
[4] التنوير شرح الجامع الصغير، للصنعاني (11/179).
[5] [الإسراء:27].


