الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفتاوى الأعمالقطاع تجارة الجملة والتجزئةحكم استغلال البائع عندما يكون المشتري صبيا

حكم استغلال البائع عندما يكون المشتري صبيا

رقم الفتوي:
464

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

من المتعارف عليه أن نبعث أبنائنا لشراء المستلزمات البسيطة من السوبر ماركت  وهي أشياء معلومة الثمن فنعطيه الثمن المناسب أو المعلوم، ولكن في بعض الأحيان لا يوجد فكة فنعطيه مبلغا كبيرا بالنسبة للسلعة، على أساس أن البائع سيأخذ الثمن المناسب ويعطيه الباقي، والغالب أن هذا الذي يحدث، ولكن أحيانا نجد شخصا معدوم الضمير يستغل ذلك ويأخذ أكثر من السعر المعتاد، فأضطر للذهاب إليه وأخذ الفارق بعد مشادة، فما حكم ذلك ؟

الجواب

يجوز بيع وشراء الصبي المميز ما دام قد أذن له وليه بذلك على ما هو المختار للفتوى، ولا شك أن في بعثه وإرساله للشراء هو إذن وزيادة، فعلى ذلك: يصح ذلك الشراء المعتاد للصبي، ولا حرج فيه، ما دام الثمن معلوما ولا غش فيه ولا خداع، وأما إذا ثبت استغلال صاحب المحل لوجود الصبي أو خداعه له فهذا مما يقدح في هذه المعاملة ولولي الصبي الرجوع على صاحب المحل بالاسترجاع أو بدفع الفارق -إذا ثبت ذلك عليه بالإقرار أو البينة-.

التأصيل الشرعي

البيع والشراء من العقود التي لابد فيها من وجود التراضي من الطرفين لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ}[1] وهذا التراضي لا يكون إلا ممن “يعرف البيع وما يترتب عليه من الأثر، ويدرك مقاصد العقلاء من الكلام ويحسنان الإجابة عنه”[2]، ولذلك فإن العاقل هو المتصف بذلك فيصح بيعه ما دام مختارا، وفاقد ذلك كالمجنون فإنه لا ينعقد بيعه إجماعا، قال ابن الرفعة: “أما المجنون فقد قام الإجماع على عدم صحة تصرفه لفسخه شرعاً وعرفاً”[3].

وأما المتردد بين ذلك كالصبي المميز فقد اختلف فيه الفقهاء وذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: لا يجوز بيعه وشراؤه ولا توكيله فيهما مطلقا، فإذا فعل كان البيع باطلا، سواء أذن له وليه أم لم يأذن، وهو مذهب الشافعية والمالكية، قال العمراني: “ولا يصح البيع إلا من بالغ عاقل مختار، فأما الصبي: فلا يصح بيعه، سواء كان بإذن الولي، أو بغير إذنه”[4]

واستدلوا على ذلك بأن الصبي غير مكلف فهو كالمجنون لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق»[5].

قال العمراني: “فلم يصح بيعه، كالمجنون، ولا يصح بيع المجنون؛ للخبر”[6].

والقول الثاني: يجوز بييعه وشراؤه ولكن لا ينفذ إلا بإذن وليه، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وسفيان الثوري، قال ابن نجيم الحنفي: “وليس من شرائط العاقد البلوغ فانعقد ‌بيع ‌الصبي وشراؤه موقوفا على إجازة وليه إن كان شراؤه لنفسه ونافذا بلا عهدة عليه إن كان لغيره”[7].

واستدلوا بقوله تعالى:{وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا}، والابتلاء هو الاختبار، وذلك يكون بأن يمكنه من التصرف في المال حتى يعلم هل هو يصلح له أو يفسد، فدل على جواز الإذن، ولأن من يعقل البيع والشراء ينعقد بيعه، كالبالغ[8].

القول الثالث: يجوز بيعه وشراؤه في الشيء اليسير بلا إذن، وهي رواية عن الإمام أحمد، قال المرداوي: “إلا الصبى المميز والسفيه، فإنه يصح تصرفهما بإذن وليهما فى إحدى الروايتين. وهى المذهب، وعليه الأصحاب. والرواية الأخرى لا يصح تصرفهما إلا فى الشئ اليسير”[9].

وذلك لأن العادة قد جرت به، ولأن من ذلك الشيء ‌اليسير، فعل بعض الصحابة، “فقَدْ اشترى أبو الدَّرداء -رضي الله عنه- العَصَافِيرَ مِنَ الصِّبيان”[10].

والقول الثاني هو المختار للفتوى من أنه جائز بإذن الولي، ولا شك أن في بعثه للشراء وتوكيله هو إذن وزيادة، فعلى ذلك: يصح ذلك الشراء المعتاد للصبي، ولا حرج فيه، ما دام الثمن معلوما ولا غش فيه ولا خداع، وأما إذا ثبت استغلال صاحب المحل لوجود الصبي أو خداعه له، فهذا مما يقدح في هذه المعاملة ولولي الصبي الرجوع على صاحب المحل بالاسترجاع أو بدفع الفارق -إذا ثبت ذلك عليه بالإقرار أو البينة- إما جريا على حكم العادة لأنه اعتيد ممن يفعل ذلك أن يرجع عليه بالسلعة أو بدفع الفارق، ومن القواعد الفقهية الكبرى: “العادة محكمة”[11] فإذا صح هذا البيع لأجل العادة رجعنا إلى العادة عند الاختلاف، أو أخذا –في هذه المسألة- مذهب من لم يصحح المعاملة رأسا، وذلك معاقبة وردعا لمن يثبت عليه ذلك من أصحاب الاستغلال.

والله تعالى أعلم

 

[1] [النساء: 29].

[2]  الفقه على المذاهب الأربعة (2/159).

[3] كفاية النبيه شرح التنبيه (8/372).

[4] البيان في مذهب الإمام الشافعي (5/11).

[5] أخرجه أبو داود (4403)، والترمذي (1423)، وابن ماجه (2042).

[6] البيان في مذهب الإمام الشافعي (5/12).

[7] البحر الرائق شرح كنز الدقائق (5/279).

[8] التجريد للقدوري (5/648).

[9] الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (11/19).

[10] مسائل الإمام أحمد لابن الكوسج (6/2856).

[11] انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (89)، والأشباه والنظائر لابن نجيم (79).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات