السؤال
أملك شركة مجال نشاطها الأدوات الصحية، وأعطي الموظفين لدي مرتباتهم المناسبة لنظرائهم في السوق، ولكن نظرًا للظروف المتغيرة يأتي بعضهم في بعض الأحيان وهو يطلب مساعدة في أمر ضروري، وفي كثير من الأحيان يعجزون عن سداد تلك السُلف والقروض فهل يجوز إعطاؤهم من زكاة المال أو لا يجوز؟؟
الجواب
قيام صاحب العمل بدفع زكاة المال إلى العاملين لا يوجد في الشرع ما يمنعه طالما أنه توافق مع الضوابط الآتي ذكرها، وتلك الضوابط هي:
أولًا: أن يكون العامل أو الموظف مستحقًا للزكاة باعتباره صنفًا من أحد الأصناف المذكورة في الآية:” إنما الصدقات للفقراء والمساكين… الآية”.
ثانيًا: ألا تكون الزكاة في مقابل عمل أو جهد، بمعنى أن الزكاة شيء منفصل تمامًا عن جهة العمل، فهي ليست علاوة أو حافزًا يعطى للعامل الأكفأ دون الآخر، أو الأكثر حضورًا والتزامًا أو غير ذلك مما قد يفعله صاحب العمل من استغلال الزكاة لتحصيل فائدة بشكل أو آخر لصالح عمله، وهذا ليس محله الزكاة.
ثالثًا: وهو عطف على ما سبق وتأكيد لمضمونه، وهو أنه لا ينبغي لصاحب العمل أن يكون مقصرًا في إعطاء العاملين لديه مستحقاتهم الطبيعية من الأجور والرواتب المتعارف عليها في الأسواق ويستعيض عن هذا التقصير والنقص بتعويضهم من زكاة المال.
التأصيل الشرعي
من الركائز التي يقوم عليها الشرع عمومًا والزكاة على وجه الخصوص هو أن يهتم المسلم بالدوائر القريبة منه فيهتم بذوي القربى الأقرب فالأقرب والجار ذي القربى والجار الجنب وغير ذلك، ومن تطبيقات ذلك في الزكاة أن جعل الشرع الشريف زكاة المسلم على رحمه وأقاربه -ممن لا تجب عليه نفقتهم- يكون له فيها أجران: أجر الزكاة وأجر صلة الرحم والقرابة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة”[1].
ومن ذلك أيضًا عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر إلا لضرورة؛ حيث إن فقراء البلدة أحق بزكاة أموال أغنيائها من غيرهم البعيدين من البلاد المجاورة، قال أبو عبيد: والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها أن أهل كل بلد من البلدان، أو ماء من المياه، أحق بصدقتهم، ما دام فيهم من ذوي الحاجة واحد فما فوق ذلك، وإن أتى ذلك على جميع صدقتها، حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها”[2].
ويدخل ضمن هذا، تلك المسألة التي بين أيدينا حيث يكون عند صاحب العمل -سواء كان شركة أو مصنعًا أو غير ذلك- موظفين أو عمال أو جراء لا تكفيهم رواتبهم في سد احتياجات المعيشية الضرورية والأساسية، وهنا يكون سؤال صاحب العمل: هل يجوز له أن يعطيهم من زكاة أمواله أو لا يجوز؟؟
فنجيب: أن قيام صاحب العمل بدفع زكاة المال إلى العاملين لا يوجد في الشرع ما يمنعه طالما أنه توافق مع الضوابط الآتي ذكرها، بل إنه يتوافق مع الفلسفة التي تقوم عليها الزكاة ومقاصد الشرع من أن: “الأقربين أولى بالمعروف” -وهو ما سبق بيانه-، وتلك الضوابط هي:
أولًا: أن يكون العامل أو الموظف مستحقًا للزكاة باعتباره صنفًا من أحد الأصناف المذكورة في الآية: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين… الآية”.
ثانيًا: أن لا تكون الزكاة في مقابل عمل أو جهد، بمعنى أن الزكاة شيء منفصل تمامًا عن جهة العمل، فهي ليست علاوة أو حافزًا يعطى للعامل الأكفأ دون الآخر، أو الأكثر حضورًا والتزامًا أو غير ذلك مما قد يفعله صاحب العمل من استغلال الزكاة لتحصيل فائدة بشكل أو آخر لصالح عمله، وهذا ليس محله الزكاة، قال الشيخ البُجَيرمي: “ويحرم على المالك إعطاء أجرة الحصادين منه (أي: من زكاة المال)”[3].
ثالثًا: وهو عطف على ما سبق وتأكيد لمضمونه، وهو أنه لا ينبغي لصاحب العمل أن يكون مقصرًا في إعطاء العاملين لديه مستحقاتهم الطبيعية من الأجور والرواتب المتعارف عليها في الأسواق ويستعيض عن هذا التقصير والنقص بتعويضهم من زكاة المال، ففي هذه الحالة لا يجوز إعطاؤهم من زكاة المال إلا بعد أن يوفيهم حقوقهم وأجورهم المتعارف عليها، ثم يعطيهم بعد ذلك من زكاة المال على الوجه المبين.
وختامًا: نرى من الأهمية بمكان أن نوضح لأرباب الأموال من التجار والصناع وغيرهم مما أفاء الله عليهم من فضله وبسط لهم من رزقه أن هناك فريقًا معتبرًا من أهل العلم يرى أن في المال حقًا سوى الزكاة، فعن فاطمة بنت قيس، قالت: سألت، أو سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الزكاة؟ فقال: إن في المال لحقا سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية التي في البقرة: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} الآية[4].
وبغض النظر عن رجحان هذا القول من عدمه -ونحن لسنا في مقام تقرير رأي وترجيحه على آخر- فنهمس في أذنهم أن يبادروا بالتصدق من أموالهم ولا يكتفوا بزكاة أموالهم-وبخاصة في تلك الأوقات التي تزداد فيها الفاقة ويكثر فيها الاحتياج-، فلينفقوا ولا يخشوا من ذي العرش إقلالًا، فالصدقة بركة في الرزق ونماء للمال وتطهير للنفس وتزكيتها من الآفات والآثام.
والله تعالى أعلم
[1] – رواه النسائي في سننه، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب، حديث رقم(2582)، (5/92).
[2] – ينظر: الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، (ص709).
[3] -ينظر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج، للشيخ سليمان البجيرمي، 2/25.
[4] – رواه الترمذي في سننه، كتاب: الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة، حديث رقم (659)، (2/41).


