الميراث شريعة ربانية، فرضها الله سبحانه ونظمها ووضع قواعدها الكُلية في القرآن الكريم، وفصل القول في تقسيم التركة على مستحقيها، وبين أن ذلك تقسيم مفروض منه سبحانه، فقال: {فَرِيضَةً مِّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً}[1].
ومما نص عليه الفقهاء أن الإرث-المال أو الممتلكات التي يتركها المتوفى-يدخل في ملك الوارث قهرا لقول النبي –صلى الله عليه وسلم: “من ترك مالا فلورثته”[2]، أي لا يتوقف التملك على القبول من الوارث أو الموافقة الصريحة حتى يحصل ذلك، بل بتحقق الوفاة يحصل التملك، ويترتب على ذلك صحة التصرف فيه بالانتفاع أو البيع أو غير ذلك، مادام للوارث أهلية التصرف.
ومن العادات التي توارثها العديد من الناس المماطلة في توزيع الإرث وتأخيره ربما لسنوات، ويستندون في ذلك إلى حجج-هي في حقيقتها-واهية، لأنها لا تستند إلى دليل شرعي، كتأخير التوزيع مادامت الأم على قيد الحياة، أو تأخير التوزيع حتى يتزوج الصغير، أو حتى تمر سنة كاملة على وفاة الوارث، وفي طوال هذه المدة هناك من ينتفع بالتركة دون غيره، أو بجزء منها، والبقية محرومة، وبعضهم قد يعيش حياته كفافا، كادحا على رزقه ولديه ما يمكن أن يريحه من مشقة العمل وييسر له سبل طلب الرزق.
ونحن هنا لا نتكلم عن التأخير الذي يرغب فيه جميع الورثة لمصلحة معتبرة للجميع-كأن يكون أكثر المال أو كُلُّهُ في تجارة ولا بد من الانتظار حتى تتم عملية التوزيع في وقت مناسب حتى لا تحدث خسارة-، ولكن ألقي الضوء على حالات معينة، يرغب فيها أحد الورثة في التوزيع، إما تنفيذا للشرع، وإما لحاجته، أو حاجة بعض الورثة، وهناك من يمنعه بالحجج التي ذكرناها سابقا، وغالبا من يؤخر التوزيع يكون الأخ الكبير والذي يضع يده على معظم التركة وينتفع بها دون غيره، وفي بعض الحالات تساعده الأم، إما لخلاف بينها وبين أحد من أبنائها، وإما لاعتبارات نفسية بينها وبين زوجات أولادها، أو غير ذلك من الأسباب.
والمسلم في حقيقة الأمر، عليه أن لايجعل هواه متحكما في تصرفاته وبخاصة التصرفات الشرعية التي يترتب عليها الثواب والعقاب والجنة والنار، وعليه أن يخضع هواه وحبه لحكم الله وليس العكس، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يُؤمِنُ أَحدُكُم حتّى يكونَ هَواهُ تَبَعاً لِما جِئتُ بِهِ”[3].
وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على ضرورة الإذعان والاستسلام لحكم الله، وكذلك من يطمع في حق أخيه لأجل ولده لا يدري من يكون أكثر له نفعا في مقتبل عمره ولده أم أخوه، وكم رأينا أولادا تنكروا لوالديهم عند الكبر، ولم يجد أحدهم غير الأخ الذي طمع فيه وفي ماله سندا له عند الكبر. قال تعالى: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}[4]. وهذه الآية وإن كانت وردت عند الحديث عن الوالدين والأولاد، فدلالتها تصدق كذلك عند الحديث عن الأولاد والإخوة.
أضف إلى ذلك أن المسلم مطالب بالكسب الحلال، وما دام يسعى ويحصل الأسباب الشرعية للحصول عليه سيصل إليه، وربما من طرق لم يكن يوما يفكر المرء فيها، وهذا الفهم لو أدركه هؤلاء ربما كان سببا في امتناعهم عن الاجتراء على أموال الإرث والانتفاع بها دون بقية الورثة.
والميراث حق من حقوق الله، وتتعلق به كذلك حقوق الآدميين، فينبغي المبادرة بالتوزيع بإعطاء كل ذي حق حقه عقب وفاة المورث، حيث إن التأخير في توزيع التركة يورث الحقد والبغض والنزاع بين الأطراف جميعا، وهي أمور نهى عنها الإسلام وحذر منها، وعلينا كذلك أن نُقدم الشرع على العادات والتقاليد المتعارضة مع شريعته، وأن يقنع كل واحد بما آتاه الله فنحن لا ندري ربما أصابت البركة مالا قليلا فكثرته، وربما أصابت ولدا فأصلحته وأغنته، إن المسلم مطالب بمحاسبة نفسه وإخضاعه لهواه وعدم تقديم الهوى على شريعة الله، وبخاصة في المعاملات المالية التي تتعلق بحقوق الآخرين، ومنها الميراث.
[1] [النساء: 11].
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، (6817)، ومسلم في صحيحه، (4242).
[3] شرح السنة، البغوي، (1/213).
[4] [النساء: 11].


