انظار المعسر والتجاوز عنه
من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية خلق كريم ينبغي على كل مسلم أن يتخلق به، وهو انظار المعسر في سداد الديون عموما ودين التجارة خصوصا، فقد “خلق الله الإنسان وفي طبعه الشح، وفي طبعه حب المال، وفي طبعه الحرص على ما يملك، وفي طبعه السعي لجمع ما لا يملك، وفي طبعه الأثرة، وليس الإيثار، كل ذلك يظهر في المعاملات المالية بين البشر، من بيع وشراء، ودين ووفاء، وإتلاف وضمان، وخصومات وقضاء، وكثيرًا ما تكون المعاملة بين قوي وضعيف، وغني وفقير، وعظيم وحقير، وسيد ومسود، فمن يحفظ الحق للضعيف؟ ليس إلا الإسلام، وتشريعات الإسلام، وحكام الإسلام”[1].
فقد كانت الجاهلية ترابي في الدَّين إذا حل وقته فتزيد فيه مقابل الزيادة في الأجل، حتى يتضاعف أضعافا مضاعفة، وهذا هو ربا الجاهلية؛ فأبطل الله تعالى ذلك كله، وجعل الربا من المحرمات الكبائر فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[2]
وقال سبحانه: {ٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ}[3]
ثم أعقب الله تعالى هذه الآيات بما يجب على المسلم فعله عند حلول الدَّين والمدِين معسر به بقوله سبحانه: {وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ}[4]، فأمر الله تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء حتى يُوسِرَ بما عليه، فيصير مِن أهلِ اليُسرِ به، وهذا مما خالف فيه الإسلام أعراف الجاهلية، وأصبح إنظار المعسر شعيرة إسلامية وهي واجبة، أي أنه يجب على صاحب الدين وجوبا شرعيا إنظار المعسر إلى حال يساره، ويستحب أيضا إن لم يتوقع يسره العفو عنه ابتغاء وجه الله تعالى، والثواب في الآخرة، وهذا من المواضع التي تفضل فيها النافلة الفريضة، والأصل أن الفرائض أفضل من النوافل، لكن هناك من النوافل ما تكون أفضل من الفرائض، كابتداء السلام فإنه سنة، والرد واجب، والابتداء أفضل لابتناء الفريضة عليه، وكذا هنا، فإسقاط الدين عَنِ المعسر نافلة، وإنظاره إلى اليسار فريضة، والنافلة هنا أفضل من الفريضة لأن الإسقاط محقق لمقصود الإنظار وزيادة[5].
ومما يدل على عظم أجر إنظار المعسر والتجاوز عنه أحاديث كثيرة، منها:
عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ” متفق عليه[6].
وفي رواية في صحيح مسلم عن أَبي مسعود البدريِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الخَيْرِ شَيْءٌ، إِلا أنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَكَانَ مُوسِراً، وَكَانَ يَأمُرُ غِلْمَانَهُ أنْ يَتَجَاوَزُوا عَن المُعْسِر. قَالَ اللهُ عز وجل: نَحْنُ أَحَقُّ بذلِكَ مِنْهُ؛ تَجَاوَزُوا عَنْهُ»[7].وفي أخرى عن حذيفة بن اليمان –رضي الله عنه- قَال: قَال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “تَلَقَّتِ الْمَلائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَقَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيرِ شَيئًا؟ قَال: لَا. قَالُوا: تَذَكَّرْ. قَال: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ. فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَال: قَال اللَّهُ عز وجل: “تَجَوَّزُوا عَنْهُ”[8]
فالله تعالى يجازي العبد من جنس فعله وهو ما يعرف بالجزاء من جنس العمل، فمن نفَّس عن معسر كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كرب يوم القيامة، وهذه سنّة الله مع خلقه شرعًا وقدرًا، قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}[9]، وقال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ}[10].
[1] فتح المنعم شرح صحيح مسلم (6/273).
[2] سورة آل عمران: (130) .
[3] سورة البقرة: ( 278-279).
[4] سورة البقرة: (280).
[5] انظر الأشباه والنظائر للسيوطي (ص145).
[6] أخرجه البخاري (2078)، ومسلم (3875).
[7] أخرجه مسلم في صحيحه (3874).
[8] أخرجه مسلم في صحيحه (3870)
[9] سورة يونس: (26).
[10] سورة الرحمن: (60).


