حسن قضاء الدين
من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية خلق كريم ينبغي على كل مسلم أن يتخلق به، وهو حُسن القضاء عند الوفاء بالدين، فالمعهود من غالب الناس -إلا ما رحم الله تعالى- عدم الاهتمام برد الدين، فضلا عن حسن قضاءه، ولذلك شاع عند العامة مثل يوضح هذه الحقيقة، وهو قولهم:
“السلف تلف[1] والرد خسارة”
وهو في معنى المثل العربي القديم:
“أَتْوَى مِنْ دَيْنٍ”
والتَّوَى: الهلاكُ. يقال “تَوَى” إذا هَلَك، وإنما قيل ذلك لأن أكثر الدُّيُون هالك ذاهب[2].
وأما الأخلاق النبوية في رد الدين فعلى الخلاف من ذلك، فقد سنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حسن قضاء الدين بأن يرد في الميعاد، وبالشكر والقول الحسن والوفاء بخير مما أخذ ما دام غير مشروط عند أخذ الدين، فعَنْ أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: “كان لرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حق فأغلظ له، فهَمَّ به أصحابه، فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، فقال لهم: اشتروا له سنًا فأعطوه إياه فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًا هو خير من سنه، قال: فاشتروه وأعطوه إياه، فإن من خيركم، أو أخيركم أحسنكم قضاء” متفق عليه.
وفي رواية عنه: اسْتَقْرضَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سنًّا، فأعْطَى سنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ، وَقَالَ: “خيارُكم أحاسنُكمْ قَضَاءً”. رَوَاهُ أحْمَدُ وَالتِّرْمِذِي وصححه
وَعَنْ أبي رَافعٍ قالَ: اسْتَلَفَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بَكْرًا، فَجاءَتْهَ إبلُ الصَّدَقَة فأمَرَنِي أنْ أقْضيَ الرَّجُلَ بَكْرهُ، فَقُلْتُ: إني لَمْ أجِدْ فِي الإِبِل إلَّا جَمَلًا خيارًا رَباعيًا، فَقالَ: “أعْطه إيَّاهُ فإن مِنْ خيْرِ النّاسِ أحْسَنَهُمْ قَضَاءً”، رَوَاهُ مسلم.
ففي هذه الاحاديث الشريفة دليل على حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وتواضعه وإنصافه[3].
وفيها أيضا الحث على حسن قضاء الدين، ويكون بأمور:
الأول: أن يوفي له بالسداد في ميعاده الذي اتفق عليه.
والثاني: أنه إذا احتاج إلى وفاء الدين قبل ميعاده وطلبه فيجاب إليه ما دام في الإمكان.
والثالث: أن يوفي بأحسن مما أخذ ما دام ليس مشروطا، قال الشوكاني: “وفيه جواز ردّ ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، وبه قال الجمهور، وعن المالكية إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف جازت، ويرد عليهم حديث جابر المذكور في الباب، فإنه صرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم زاده، والظاهر أن الزيادة كانت في العدد، وقد ثبت في رواية للبخاري أن الزيادة كانت قيراطًا.
وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقًا… وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط ولا إضمار فالظاهر الجواز من غير فرق بين الزيادة في الصفة والمقدار والقليل والكثير، لحديث أبي هريرة وأبي رافع والعرباض وجابر، بل هو مستحب.
قال المحاملي وغيره من الشافعية: يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ للحديث الصحيح في ذلك، يعني قوله: “إن خيركم أحسنكم قضاء”[4].
وحسن القضاء من الأدب النبوي الرفيع الذي لا يدركه إلا من عانى أساليب الناس المجحفة عند آداء الدين، فضلا عن الأسلوب الذي يرد به وهو مغاير للأسلوب الذي به أخذ!، فأتى النبي الكريم، ليعلم الأمة هذا الخلق الحميد، فسبحان من خصّه بشريف الخصال، وأجمل الفعال، فوصفه بوصف صدق بقوله سبحانه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}[5].
[1] هذا القدر من المثل معروف عند الأقدمين ولكنه من أمثال المولدين، وليس العرب، ولذلك ذكره الميداني في مجمع الأمثال، في أمثال المولدين من حرف السين، انظر: (1/356).
[2] مجمع الأمثال (1/150).
[3] نيل الأوطار (10/275).
[4] نيل الاوطار (10/ 275: 276).
[5] سورة القلم: (4).


