قبول إرجاع السلعة عند ندم المشتري
من الأخلاق النبوية في المعاملات المالية خلق كريم ينبغي على كل تاجر أن يتخلق به ما أمكنه ذلك، وهو قبول إرجاع السلعة وفسخ عقد البيع إذا ندم المشتري على الشراء، أو ظهر له أمر طارئ استدعاه للرجوع؛ لحاجته إلى المال، وكذا إذا طلب ذلك البائع بأن احتاج إلى السلعة وندم على بيعها، إلا أن رجوع المشتري هو الغالب والأكثر في العادة، وهذا ما يعرف عند الفقهاء بالإقالة “يقال: أقاله يقيله إقالة وتقاؤلا إذا فسخا البيع وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري إذا ندم أحدهما أو كلاهما”[1].
وهي مشروعة بإجماع الفقهاء، وهي من مكارم الأخلاق في البيع، وقد جاءت أحاديث نبوية تعدُ صاحبَ هذا الخلق بتفريج كربه وإقالة عثرته يوم القيامة، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَقَالَ مُسْلِماً بَيْعَتَهُ، أَقَالَهُ اَللَّهُ عَثْرَتَهُ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ اِبْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ[2].
وفي رواية: “من أقال مسلمًا صفقة كرهها”، وفي رواية: “من أقال نادما بيعته”.
ففي هذه الأحاديث الشريفة الحث على قبول الرجوع في عقد البيع، سواء من البائع أو المشتري، قال العز بن عبد السلام: “إقالة النادم إحسان إليه، لما فيه من الغرض فيما ندم عليه ولا سيما في بيع العقار وتمليك الجوار”[3].
وذكر “المسلم” في الحديث ليس بقيد، بل هذا الثواب أيضا لمن أقال غير المسلم، قال الصنعاني: “وأما كونُ المُقالِ مسلمًا فليسَ بشرط، وإنما ذكرَه لكونهِ حكمًا أغلبيًا، وإلا فَثَوابُ الإقالةِ ثابتٌ في غيرِ المسلمِ، وقدْ وردَ بلفظِ: منْ أقالَ نادِمًا، أخرجهُ البزارُ”[4].
والإقالة مستحبة ما لم يترتب عليها أمر محرم، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى. ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فإقالة بيعة الإسلام لأنها حينئذ تضمن الرضا بالكفر، قال الملا على القاري: “قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَإِنَّمَا أَبَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِقَالَةُ بَيْعَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا إِقَالَةُ بَيْعَةِ الْإِقَالَةِ مَعَهُ اهـ. وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ لِتَضَمُّنِهِ الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَالتَّسَبُّبِ لَهُ، وَالثَّانِي لِاشْتِمَالِهِ عَلَى هُجْرَانِ الْمُهَاجَرَةِ (ثُمَّ جَاءَهُ) أَيْ ثَانِيًا (فَقَالَ أَقِلْنِي بَيْعَتِي) ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قِيَاسًا لَهُ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فِي الْبَيْعِ، وَلِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (فَأَبَى) لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بَيِّنٌ”[5]
وقوله –صلى الله عليه وسلم: “أقال الله عثرته”: مراد به غفران الزلة، “وعبّر عنه بالإقالة للمشاكلة، ولأنه يلزم من غفران الزلة رفع تبعتها”[6]، وقد جعل الله عز وجل ثواب هذه الإقالة غفران الذنب وإقالة العثرة جزاء له من جنس عمله؛ وذلك لأنه قد أدخل المسرة على المستقيل فإنه لا يستقيل إلا نادمًا، فإقالته تفريج لكربته وإزالة لندامته.
ونسأل الله تعالى أن يخلقنا جميعا بأخلاق نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- المبعوث رحمة للعالمين، وهو القائل -صلوات ربي وتسليمه عليه-: ” بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق”[7].
[1] فيض القدير للمناوي (6/79).
[2] أخرجه أبو داود (3460)، وابن ماجه (2199)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على “المسند” (2/ 252)، وابن حبان (5030).
[3] شجرة المعارف والأحوال (ص140).
[4] سبل السلام (3/45).
[5] مرقاة المفاتيح (5/1880).
[6] البدر التمام شرخ بلوغ المرام (6/149).
[7] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 613)، وقال الذهبي: على شرط مسلم.


