الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةفتاوى الوظائفالمهن التعليميةمشاركة المحاضرات المدفوعة مع غير القادرين من الطلاب مجانًا

مشاركة المحاضرات المدفوعة مع غير القادرين من الطلاب مجانًا

رقم الفتوي:
454

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أنا طالب في إحدى الكليات العملية، وطبيعة دراستنا تتطلب أن نأخذ محاضرات خارجية مدفوعة الأجر (كورسات)، وهي ضرورية جدًا، لكنها غالبًا ما تكون مرتفعة السعر، مما يجعل الاشتراك فيها ليس ميسورًا للجميع، فهل يجوز لي مشاركتها مع غير القادرين على الدفع من أصدقائي؟

الجواب

لا يجوز لك شرعًا مشاركة المحاضرات مدفوعة الأجر مجانًا مع غير القادرين، ما دام صاحبها لم يأذن بذلك، إذ أنك مأذونٌ لك فقط بالانتفاع وليس المشاركة، كما أن ذلك الفعل فيه أكلٌ لأموال الناس بالباطل، ومشتملٌ على خيانةٍ للأمانة، ويمكنك أن تساعد زملائك بشرح ما يصعب عليهم من دروس هذه المادة بعد استيعابك وفهمك لها.

التأصيل الشرعي

بدايةً نبين أنه يجوز شرعًا الاشتراك في المحاضرات مدفوعة الأجر، وأن ذلك من باب الإجارة، وهي إجارة شخصٍ على أداء عملٍ مباح.

إلا أن مشاركة هذه المحاضرات مع غير المشترك فيها لا يجوز شرعًا من عدة وجوه:

أولًا: أن الإذن للمشترك في هذه المحاضرات في مشاهدتها خاصٌ وليس عام، وهو من قبيل تمليك الانتفاع لا المنفعة، والفرق بينهما أنَّ مالك الانتفاعِ مأذونٌ له في أن يَنْتَفِع بِنَفسه فقط، ومالِك المنفعةِ مأذونٌ له في أن ينتفع بنفسه ويُمكِّن غيره منه أيضًا، وهو ما حرره الإمام القرافي بقوله: “(الفرق الثلاثون بين قاعدة تمليك الانتفاع وبين قاعدة تمليك المنفعة) فتمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط، وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل، فيباشر بنفسه ويُمكِّن غيره من الانتفاع بعوض كالإجارة، وبغير عوض كالعارية”[1].

ثانيًا: أن ذلك الفعل المسؤول عنه فيه مخالفةٌ للشرط الذي اشترطه مقدم المحاضرة -وإن كان ضمنيًا- من عدم الاستفادة من هذه المحاضرات إلا لمن دفع مقابلها، ومن المقرر شرعًا أنه يجب على المسلم الوفاء بالعقود والالتزامات التي وافق بها عن رضىً واختيار، لقوله تعالى: {يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[2]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}[3].

وما رُوِيَ عن سيدنا كَثيرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، عن أبيه، عن جَدَّه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «المسلِمونَ عِندَ شروطِهِم، إلَّا شَرطًا حرَّمَ حَلالًا، أو شَرطًا أحَلَّ حَرامًا»[4].

ثالثًا: أن ذلك الفعل فيه تعدٍ على حقوق الملكية الفكرية لصاحب المحاضرات ما دام لم يأذن بذلك، وهو منهيٌ عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا يَحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلا بطيبِ نَفسٍ مِنه”[5]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}[6].

قال ابن كثير: “ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل”[7].

رابعًا: أن ذلك الفعل فيه خيانةٌ للأمانة، فصاحب تلك المحاضرات قد استأمن صاحبها على مجهوده العقلي وما اقتطعه من وقته في إعداد تلك المواد المرئية أو المسموعة، وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدم الخيانة، وبيَّن أن ذلك ليس من خلق المؤمن، فعن سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ»[8].

وقال صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَك»[9]، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[10].

وعلى هذا فلا يجوز مشاركة هذه المحاضرات مع زملائك غير القادرين؛ حفاظا على جهد المحاضر، ووفاء بشرطه، ويمكنك أن تساعدهم بشرح ما يصعب عليهم من دروس هذه المادة بعد استيعابك وفهمك لها.

والله تعالى وأعلم

[1] الفروق (1/ 187).

[2] [المائدة: 1].

[3] [الإسراء: 34].

[4] أخرجه الإمام البيهقي في “السنن الكبرى” (11540).

[5] أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (11654)، والإمام أحمد في “مسنده” (20695).

[6] [النساء: 29].

[7] تفسير القرآن العظيم (3/ 70).

[8] أخرجه الإمام أحمد في “مسنده” (١٢٣٨٢).

[9] أخرجه الإمام أبو داود في “سننه” (3533).

[10] [النساء: 58].

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات