السؤال
أنا أعمل مدرس، وبحكم أقدميتي في المهنة، يوكل إلىَّ وضع امتحانات الشهر التي تترتب عليها درجات أعمال السنة، ولديَّ طلاب يحتاجون إلى بعض الدرجات القليلة ليُنقَلوا إلى السنة التالية، فهل يجوز لي مساعدتهم بهذا القدر فقط؟
الجواب
لا يجوز للمدرس تسريب امتحانات الشهر لبعض الطلاب؛ لأن هذا فعل محرمٌ شرعًا، ومُجرَمٌ قانونًا، وصاحب هذا الفعل خائنٌ للعهد، مقصرٌ في عمله، معينٌ لغيره على الظلم، حتى وإن كان قصده حسنًا.
التأصيل الشرعي
هذا الفعل مخالفٌ شرعًا وقانونًا، وهو ينطوي على عدة أفعال غير جائزة، كعدم الوفاء بالوعد، وإفشاء السر، وخيانة الأمانة، ذلك أنه يجب على المسلم -عمومًا- الوفاء بالعقود والالتزامات التي وافق بها عن رضىً واختيار، لقوله تعالى: {يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[1]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}[2]، كما أنه رُوِيَ عن سيدنا كَثيرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، عن أبيه، عن جَدَّه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «المسلِمونَ عِندَ شروطِهِم، إلَّا شَرطًا حرَّمَ حَلالًا، أو شَرطًا أحَلَّ حَرامًا»[3].
كذلك فإن هذا الفعل ينطوي على تقصيرٍ من المدرس، ويُعَدُّ غشًا وخيانةً للأمانة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن سيدنا أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَينَا السِّلَاحَ فلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فلَيْسَ مِنَّا»[4]، وعن سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ»[5].
وقال صلى الله عليه وسلم: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَك»[6]، وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}[7].
قال ابن كثير: “يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانَك»… وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله تعالى على عباده…، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينةٍ على ذلك”[8].
كما أن مساعدة الطالب غير المجتهد بهذه الطريقة؛ فيه ظلمٌ لمن جدَّ واجتهد، وإظهاره بمظهر المستحق لاجتياز المرحلة الدراسية الحالية إلى التي بعدها، وهو غير كذلك، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»[9].
قال الإمام النووي: “قال العلماء: معناه: المتكثر بما ليس عنده، بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده، يتكثر بذلك عند الناس ويتزين بالباطل، فهو مذموم، كما يذم من لبس ثوبي زور… وحكى الخطابي قولًا آخر أن المراد هنا بالثوب: الحالة والمذهب، والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه، ومعناه أنه كالكاذب القائل ما لم يكن”[10].
كما أنه يجب على الموظف الإداري الالتزام بمقتضيات وظيفته، وإلا كان معرضًا للمساءلة التأديبية، وقد نصَّت بعض القوانين المنظمة لهذه المهنة وغيرها على تجريم هذا الفعل، ورتبت العقاب عليه، وعلم المدرس بها ومخالفته لها بعد موافقته على العمل وفق لوائحها وتعليماتها من الإخلال بالشروط بعد الالتزام بها.
والله تعالى وأعلم
[1] [المائدة: 1].
[2] [الإسراء: 34].
[3] أخرجه الإمام البيهقي في “السنن الكبرى” (11540).
[4] أخرجه الإمام البيهقي في “السنن الكبرى” (11540).
[5] أخرجه الإمام أحمد في “مسنده” (١٢٣٨٢).
[6] أخرجه الإمام أبو داود في “سننه” (3533).
[7] [النساء: 58].
[8] تفسير القرآن العظيم (3/ 143).
[9] أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” (2129).
[10] شرح النووي على مسلم (14/ 110).


