السؤال
أمتلك مزرعة بها أشجار مثمرة، وجرت العادة أن أستأجر عاملا لتعهدها، وأعطيه أجرة شهرية، ولكنه يهمل في غيابي ولا يقوم برعاية الأشجار على النحو المطلوب، مما يترتب عليه ضرر للشجر يؤثر على جودة الثمار، فاقترحت عليه أن أعطيه ربع الراتب شهريًا، وباقي أجره يكون عشرة بالمئة من كامل ما تخرجه المزرعة من ثمار، وذلك بغرض تحفيزه للاهتمام بالمزرعة وحسن رعايتها، فهل هذا التصرف صحيح شرعا؟
الجواب
لا يجوز الجمع بين جزء من أجرة العامل وبين جزء من حصته في المساقاة، فإما أن تتفق معه على أجرة معلومة في مقابل عمل معلوم، وتكون المعاملة في هذه الحالة إجارة وتأخذ أحكامها، أو يكون له جزءً معلومًا بالجزئية من كامل الثمر، وتكون المعاملة معه مساقاة وتأخذ أحكامها.
التأصيل الشرعي
اتفاق صاحب الشجر مع غيره، على أن يقوم بإصلاحه وتعهده وما يحتاج إليه من عمل، ويأخذ جزءً معينًا مما يخرج منه من ثمر يسمى في عرف الشرع “مساقاة”، مأخوذة من السقي.
وسميت مساقاة: لأن هذا العمل يحتاج الى السقي بالماء ونضحه ونقله أكثر من غيره، فهو أكثر الأعمال مشقة على العامل، وأنفعها للمتعاقد من أجله وهو الشجر.
قال الخطيب الشربيني: “وحقيقتها أن يعامل غيره على نخل أو شجر عنب ليتعهده بالسقي والتربية على أن الثمر لهما”[1].
والأصل فيها قبل الإجماع خبر الصحيحين «أنه صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر، وفي رواية دفع إلى يهود خيبر نخلها وأرضها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع».
وهي معاملة جائزة باتفاق الفقهاء، قال صاحب رحمة الأمة: “اتفق فقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب على جواز المساقاة، وذهب أبو حنيفة إلى بطلانها ولم يذهب إلى ذلك أحد غيره”[2].
واتفقوا أيضا على أن تكون الثمرة بين صاحب الشجر والعامل، وأن يكون نصيب كل منهما معلوما بالجزئية، كأن يكون لأحدهما الربع والأخر ثلاثة أرباع، أو الثلث لأحدهما والثلثان للآخر وهكذا.
فلو شرط لأحدهما مقدارا معينا، أو مبلغا من المال مع جزء من الثمرة لم يصح، قال ابن رشد: “واتفقوا على أنه لا يجوز فيها اشتراط منفعة زائدة، مثل أن يشترط أحدهما على صاحبه زيادة دراهم أو دنانير”[3].
وقد ذكر ابن رشد سبب عدم جواز اشتراط مالا زائدا على الجزء المتفق عليه من الثمر عند كلامه على أحكام المساقاة الفاسدة فقال: “مثل أن يساقيه على أن يزيد أحدهما صاحبه دراهم أو دنانير، وذلك أن هذه الزيادة إن كانت من رب الحائط كانت إجارة فاسدة، وإن كانت من العامل كانت بيع الثمر قبل أن يخلق”[4].
وعلى هذا فلا يجوز الجمع بين جزء من أجرة العامل وبين جزء من حصته في المساقاة، فإما أن تتفق معه على أجرة معلومة في مقابل عمل معلوم، وتكون المعاملة في هذه الحالة إجارة وتأخذ أحكامها، أو يكون له جزءً معلومًا بالجزئية من كامل الثمر، وتكون المعاملة معه مساقاة وتأخذ أحكامها.
والله تعالى أعلم
[1] مغني المحتاج، للخطيب الشربيني (3/ 421).
[2] رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني (2/ 109).
[3] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 35).
[4] بداية المجتهد، لابن رشد (4/ 37).


