الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةالمهن والحرفالمحاماةعمل المحامي في البلاد غير الإسلامية

عمل المحامي في البلاد غير الإسلامية

رقم الفتوي:
431

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أنا أعمل محامٍ، وأبحث عن فرصة للسفر للخارج منذ سنين طويلة، حتى سنحت لي فرصة للعمل في مكتب محاماة في بلدٍ غير مسلم، فما حكم هذا العمل، وما حكم الأجر المترتب عليه؟

الجواب

يجوز لك العمل كمحامٍ في بلدٍ غير إسلامي، ووكالتك هناك إما أن تكون عن مسلم، وحينها يشترط ألا تتحاكم إلى غير المسلم إذا أمكن القاضي أو المحكَم المسلم، وإلا فلا حرج في ذلك بشروط، أن يتعين ذلك القاضي، وعدم أخذ أكثر من الحق، وألا يكون ذلك في مسائل الأحوال الشخصية.

وإما أن تكون وكالتك عن غير مسلم، وحينها يشترط ألا يؤدي ذلك إلى فسادٍ، أو أن يكون فيه إذلالٌ لك، ولا حرج في الأجر المترتب على ذلك العمل إن شاء الله.

التأصيل الشرعي

العمل في المحاماة في بلد غير مسلم يثير عدة مسائل: فهو إما أن يكون المحامي فيه وكيلًا عن مسلم، أو عن غير مسلم.

أولًا: إذا كان الموكل مسلمًا: فإنه يجب التفرقة بين ما إذا كان بإمكانه التحاكم إلى قاضٍ مسلم أم لا، ذلك أنه قد اتفق أهلُ العلم على أنّه يُشترط في القاضي الذي يحكم بين المسلمين وينفذ حكمه فيهم: أن يكون مسلمًا، لأنَّ القضاء نوع من أنواع الولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم، قال تعالى: {ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}[1].

قال الفخر الرازي: “وفيه قولان: الأول: وهو قول علي عليه السلام وابن عباس رضي الله عنهما: أن المراد به في القيامة، بدليل أنه عطف على قوله: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ}، الثاني: أن المراد به في الدنيا، ولكنه مخصوص بالحجة، والمعنى أن حجة المسلمين غالبة على حجة الكل، وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة والدليل، الثالث: هو أنه عام في الكل إلا ما خصه الدليل، وللشافعي رحمه الله مسائل، منها: أن الكافر إذا استولى على مال المسلم وأحرزه بدار الحرب لم يملكه بدلالة هذه الآية، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبدًا مسلمًا بدلالة هذه الآية، ومنها أن المسلم لا يقتل بالذمي بدلالة هذه الآية”[2].

وقد نقل ابن فرحون[3] عن القاضي عياض أن من شروط القضاء التي لا يتم القضاء إلا بها، ولا تنعقد الولاية ولا يستدام عقدها إلا معها: الإسلام، وأنه إذا عُدِمَ هذا الشرط، فإن القاضي ينعزل ولا يصح قضاؤه.

أما إذا لم يمكن التحاكم إلى القاضي المسلم: فإنه يجوز التحاكم إلى غيره بشروط:

الأول: ألا يمكن الوصول إلى الحق إلا بهذا الطريق، قال ابن القيم: “فإن عجز عنه: كان تحكيمه غيرَه مِن باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقِيتُه إلا من الميتة والدم”[4].

الثاني: ألا يأخذ أكثر من حقه ولو قضى به القانون، فإذا حكم القاضي لأحد الطرفين بأكثر مما يستحق شرعًا؛ فيجب عليه أن يتنازل عنه لأنه مخالف للشرع، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم مِن الاعتماد على حكم القاضي في استباحة حقوق الخلق إذا علم أنه لا يستحقها، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِي لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ يَذَرْهَا»[5].

قال القاضي عياض: “وفي الحديث دليل أنه لا يحلُّ لأحدٍ أخذُ شيء يعلم باطله، وأنه مأثوم حكم له به حاكمٌ أم لا، وأنّ حُكمَ الحاكم به لا يحلِّلُه”[6].

الثالث: ألا يكون التحاكم إليه في مسائل الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث وغيرها مما لا يصح إجراء غير أحكام الشرع عليها، وليتحاكم فيها إلى المراكز الإسلامية، أو إلى محكَمين مسلمين.

ويترتب على ذلك: أنه لا يجوز قبول الوكالة بالخصومة إذا كان بإمكان الموكل المسلم التحاكم إلى قاضٍ مسلمٍ وتحاكم إلى غيره، وحرمة الأجر المترتب على تلك الوكالة.

وجواز قبول الوكالة بالخصومة إذا تعين على الموكل القاضي غير المسلم للحصول على حقه، ولم يكن التحاكم إليه في مسائل الأحوال الشخصية، وألا يأخذ أكثر من حقه حتى ولو حكم له به القاضي، وحل الأجر المترتب على تلك الوكالة.

ثانيًا: إذا كان الموكل غير مسلم: فالأصل جواز عمل المسلم مع غير المسلم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: “أَصَابَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَاصَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا رضي الله عنه، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ عَمَلًا يُصِيبُ فِيهِ شَيْئًا لِيُغِيثَ بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى بُسْتَانًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَقَى لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دَلْوًا، كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، فَخَيَّرَهُ الْيَهُودِيُّ مِنْ تَمْرِهِ سَبْعَ عَشَرَةَ عَجْوَةً، فَجَاءَ بِهَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقالَ: «مِن أينَ هذا يا أبا الحَسَنِ؟»، قال: بَلَغَنِي ما بكَ مِنَ الخَصاصَةِ يا نَبِيَّ اللَّهِ، فخَرَجتُ ألتَمِسُ عَمَلًا لأُصيبَ لَكَ طَعامًا، قال: «فحَمَلَكَ على هذا حَبُّ اللَّهِ ورسولِه؟»، قال علي: نَعَمْ يا نَبِيَّ اللَّهِ. فقالَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ما مِن عبدٍ يُحِبُّ اللَّهَ ورسولَه إلَّا الفَقرُ أسرَعُ إلَيه مِن جِريَةِ السَّيلِ على وجهِه، مَن أحَبَّ اللَّهَ ورسولَه فليكِدَّ تِجفافًا»، وإِنَّما يَعنِى الصَّبرَ”[7].

قال الشوكاني: “تأجير النفس لا يعد دناءة، وإن كان المستأجِرُ غيرَ شريف أو كافرًا، والأجيرُ من أشراف الناس وعظمائهم، وأورده المصنف للاستدلال به على جواز الإجارة معاددة، يعني: أن يفعل الأجير عددًا معلومًا من العمل بعدد معلوم من الأجرة وإن لم يبين في الابتداء مقدار جميع العمل والأجرة”[8].

إلا أن ذلك مشروط بألا يؤدي إلى فساد، كأن يترافع عنه في قضايا مخلة بالشرف، أو أن يكون الموكل ممن يجهر بعداوته للإسلام، لأن في ذلك إعانةٌ له، كذلك فإنه مشروط بألا يكون فيه نوع إذلال للمحامي المسلم.

قال الكاساني: “ولو استأجر ذميٌّ مسلمًا ليخدمه: ذكر في الأصل أنه يجوز، وأكره للمسلم خدمة الذمي، أما الكراهة: فلأن الاستخدام استذلال، فكان إجارة المسلم نفسه منه إذلالًا لنفسه، وليس للمسلم أن يذل نفسه خصوصًا بخدمة الكافر، وأما الجواز: فلأنه عقدُ معاوضةٍ، فيجوز كالبيع”[9].

وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: “واختلفوا في الكافر إذا استأجر مسلمًا إجارة معينة، فمنهم من قال: فيه قولان، لأنه عقد يتضمن حبس المسلم، فصار كبيع العبد المسلم منه، ومنهم من قال: يصح قولًا واحدًا، لأن عليًّا كرم الله وجهه كان يستقي الماء لامرأة يهودية كل دلو بتمرة”[10].

وقال ابن قدامة: “ولا بأس أن يؤجر نفسه من الذمي، نص عليه، «لأن عليًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أجر نفسه يهوديًا يسقي له كل دلو بتمرة، وأخبر به النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم ينكره» وأكل أجرته، ولا يؤجر نفسه لخدمته؛ لأنه يتضمن إذلال المسلم للكافر فلم يجز، كبيعه إياه، ويتخرج الجواز؛ لأنه عاوضه عن منفعة، فجاز، كإجارته لعمل شيء”[11].

والحق أن يجب التفريق بين المسائل التي لا تعارض فيها مع الشريعة غالبًا، كالقضايا المدنية والإدارية، وبين ما تعارض فيها مع الشريعة غالبًا، كالقضايا الجنائية، فلا حرج في الاشتغال بالأول، وأخذ الأجر المترتب عليها، ويحرم الاشتغال بالثاني، وأخذ الأجر المترتب عليه.

والله تعالى أعلم.

[1] [النساء: 141].

[2] [النساء: 141].

[3] مفاتيح الغيب، للرازي (11/ 248).

[4] مدارج السالكين، لابن القيم (2/ 171).

[5] أخرجه مسلم في “صحيحه” (1713).

[6] إكمال المعلم، للقاضي عياض (1/ 320).

[7] أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (11759).

[8] نيل الأوطار، للشوكاني (5/ 351).

[9] بدائع الصنائع، للكاساني (4/ 189).

[10] المهذب في الفقه الشافعي، للشيرازي (2/ 244).

[11] الكافي في فقه الإمام أحمد، لابن قدامة (2/ 172).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات