السؤال
أنا أعمل محام، فما حكم العمل، وما حكم الأجر المترتب عليه؟
الجواب
العمل في مهنة المحاماة جائزٌ من حيث الأصل، شريطة أن يكون المدَّعِي له الحق فعلًا، أما إذا كان المحامي يعلم أن الحق ليس مع مُوَّكِلِه: فهو إعانة له على الباطل، ويترتب على ذلك: حِلُّ أخذ الأجر المترتب على تلك المهنة في الحالة الأولى، وحرمته في الحالة الثانية.
التأصيل الشرعي
العمل بالمحاماة جائز من حيث الأصل، حيث أنها نوع وكالة، والقاعدة أن كل من جاز له التصرف لنفسه في شيء؛ جاز له أن ينوب فيه عن غيره[1]، وهي توكيل بالخصومة، ومن المقرر أنه يصح التوكيل بالخصومة في إثبات الديون والأعيان[2]، لأن الوكالة تجوز في كل ما تصح النيابة فيه من الأمور المالية وغيرها[3].
وقد بين الفقهاء الأحكام المترتبة على ذلك النوع من الوكالة، من جواز عزل الوكيل بالخصومة من عدمه، وتقييد ذلك بعدم شروع الوكيل في الخصومة، وأيضًا ما يملك الوكيل التصرف فيه من عدمه[4].
كذلك فقد رُوِىَ عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى ينْزِعَ»[5] فيُفهَمُ منه بمفهوم المخالفة: أن من أعان على خصومة بحق؛ كان في رضا الله تعالى.
إلا أن ذلك الجواز مقيدٌ بأن يكون المحامي على علمٍ بأن مُوَّكِلِهُ على حقٍ في خصومته، وإلا كان مُعينًا له على أكل أموال الناس بالباطل ومشتركًا معه في الإثم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا بِبَاطِلٍ لِيَدْحَضَ بِبَاطِلِهِ حَقًّا فَقَدْ بَرِئَ مِنْ ذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَكَلَ دِرْهَمًا مِنْ رِبًا فَهُوَ مِثْلُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ زِنْيَةً، وَمَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ»[6]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ»[7].
ويتفرع على ذلك: جواز أخذ الأجرة على تلك المهنة إن كانت الخصومة في حق، وحرمة أخذ الأجرة إن كانت الخصومة في باطل، حتى وإن حُكِمَ له بالحق، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ بعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ»[8].
قال الشوكاني: “… وفي الحديث دليلٌ على إثم من خاصم في باطل حتى استحق به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرامٌ عليه، وأن من احتال لأمر باطل بوجهٍ من وجوه الحيل حتى يصير حقًا في الظاهر ويُحكَم له به؛ أنه لا يحل له تناوله في الباطن، ولا يرتفع عنه الإثم بالحكم”[9]
والله تعالى أعلم
[1] القوانين الفقهية، لابن جزي الكلبي (ص: 215).
[2] مرشد الحيران، لمحمد قدري باشا (ص: 139).
[3] القوانين الفقهية، لابن جزي الكلبي (ص: 215).
[4] رد المحتار على الدر المختار، لابن عابدين (5/ 530). إرشاد السالك، لابن عسكر المالكي (ص: 93). الشرح الكبير، للرافعي الشافعي (5/ 243).
[5] أخرجه الحاكم في “المستدرك على الصحيحين” (7228).
[6] أخرجه الطبراني في “المعجم الأوسط” (2944).
[7] أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” (619)
[8] أخرجه البخاري في “صحيحه” (٦٥٦٦).
[9] نيل الأوطار، للشوكاني (8/ 321).


