السؤال
حكم بيع صاحب الإعاقة للإعفاء الجمركي الممنوح له من الدولة لشراء سيارة ذات تسهيلات وتجهيزات خاصة نظير مقابل من المال؟؟
الإجابة
إذا اشترى الشخص المعاق السيارة الخاصة بذوي الإعاقة ابتداءً بنية استغلال التسهيلات المقدمة من الجهات المختصة للتكسب والمتاجرة، فهذا يعد دربًا من التحايل غير المشروع، لمخالفته لشروط العقد المتفق عليه وقد قال صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما»، وأقل ما يمكن أن يقال فيه إنها معاملة فيها شبهة، والمسلم مأمور بأن يتقي الشبهات لقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام».
التأصيل الشرعي
لا يجوز لصاحب الإعاقة أن يقوم ببيع الإعفاء الجمركي الممنوح له من الدولة لشراء سيارة خاصة به بتسهيلات خاصة والمتاجرة والتكسب من وراء ذلك، فهذا تحايل غير جائز شرعًا، لأن القاعدة التي تحكم هذه المعاملات هو مدى مطابقتها للشروط من عدمه، فبيع هذه السيارات المخصصة للمعاقين طالما أنه يتعارض مع الشرط المبرم بين المتعاقدين وهم: بائع السيارة والدولة من طرف والمشتري (صاحب الإعاقة) من طرف آخر، ولو تحايلًا فهي معاملة غير جائزة.
وأصل ذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[1]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا}[2]، وعن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما»[3].
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: “أن الأصل في العقود والشروط: الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًا أو قياسًا عند من يقول به”[4]، ويقول ابن القيم -رحمه الله-:” لابن القيم رحمه الله تعالى حيث يقول: “وتعليق العقود والفسوخ والتبرعات والالتزامات وغيرها بالشروط أمر قد تدعو إليه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة؛ فلا يستغني عنه المكلف، وقد صح تعليق النظر بالشرط بالإجماع ونص الكتاب…،و علق أبو بكر تولية عمر – رضي الله عنه – بالشرط، و وافقه عليه سائر الصحابة فلم ينكره منهم رجل واحد، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من باع نخلا قد أبرت فثمرتها للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع»[5]، فهذا الشرط خلاف مقتضى العقد المطلق، وقد جوزه الشارع…، وذكر البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “مقاطع الحقوق عند الشروط ولك ما شرطت”.
وإنما بسطت القول في هذا؛ لأن باب الشروط يدفع حيل أكثر المتحيلين، ويجعل للرجل مخرجا مما يخاف منه ومما يضيق عليه؛ فالشرط الجائز بمنزلة العقد، بل هو عقد وعهد، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[6]، وقال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا}[7]…،
فالشروط في حق المكلفين كالنذر في حقوق رب العالمين، فكل طاعة جاز فعلها قبل النذر لزمت بالنذر، وكذلك كل شرط قد جاز بذله بدون الاشتراط لزم بالشرط، فمقاطع الحقوق عند الشروط. وإذا كان من علامات النفاق إخلاف الوعد وليس بمشروط فكيف الوعد المؤكد بالشرط؟ بل ترك الوفاء بالشرط يدخل في الكذب والخلف والخيانة والغدر، وبالله التوفيق”[8].
وبناء على ذلك فالمعاملة المذكورة غير جائزة شرعًا، وهي درب من التحايل غير المشروع وأقل ما يمكن أن يقال فيها إنها معاملة فيها شبهة والمسلم مأمور بأن يتقي الشبهات لقوله صلى الله عليه وسلم: «فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام»[9].
والله تعالى أعلم
[1] [المائدة:1]
[2] [الإسراء:17].
[3] أخرجه الترمذي في “سننه” (1352).
[4] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (29/ 132).
[5] أخرجه البخاري في “صحيحه” (2716).
[6] [المائدة:1].
[7] [البقرة: 177].
[8] إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم (3/ 300 – 303).
[9] أخرجه مسلم في “صحيحه” (1599).


