السؤال
أعمل بإحدى كليات اللغة العربية، وأقوم بالتدقيق اللغوي للبحوث بأجر، كالماجستير والدكتوراه وغيرها، ويستدعي هذا التدقيق إعادة الصياغة لبعض الكلمات والجمل والعناوين ، فهل عملي مباح.
الجواب
البحوث العلمية بها جوانب رئيسة يجب أن يقوم بها الباحث وهي ما يتعلق ببناء الأفكار وبيان علاقتها مع بعضها ثم تحليلها، وهذا يكون بغرض تربية هذه الملكة لدى الباحث، وهناك أمور ليست من صلب البحث يمكن أن يقوم بها غيره كالتدقيق اللغوي، ولهذا فعملك جائز.
التأصيل الشرعي
إن تحري الحلال في الكسب له الأجر الجزيل عندالله سبحانه وتعالى، وقد أمر الله الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعا بتحري الحلال كما أمر بذلك المؤمنين فقال في شأن الرسل:﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾[1]، وقال في شأن المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾[2]، أي:” يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة… أطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم”[3].
والأصل في العمل الإباحة إلا ما ورد النهي عنه بدليل شرعيٍ، أو كان مشتملًا على محاذير شرعية، قال السيوطي:”قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم، هذا مذهبنا…ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، ويعضد الأول قوله-صلى الله عليه وسلم-:«ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن” [4].
إن الاشتغال بالتدقيق اللغوي للبحوث العلمية يُكيَّفُ على أنه إجارة شخصٍ على أداء عملٍ مباح، وهي مشروعةٌ بقوله تعالى:{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}[5].
قال ابن حجر:”وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة، فقال: ذكر الله سبحانه وتعالى أن نبيًا من أنبيائه أجر نفسه حججًا مسماة ملك بها بضع امرأة، وقيل: استأجره على أن يرعى له”[6].
والحكمة من مشروعية الإجارة في الشريعة الإسلامية هي حاجة الناس إليها ؛ لأن المرء قد لا يقدر على قضاء أموره بنفسه، ولا يجد من يتطوع لذلك ، فعندئذ يلجأ إلى من يقوم بالعمل بأجر، ومنه التدقيق اللغوي للبحوث والرسائل العلمية، حيث تعارفت المؤسسات الأكاديمية على ذلك.
وبالتالي فإن عمل المدقق اللغوي مباح شرعا ولا حرج فيه، حيث إنه يدقق في العبارة ويعيد صياغتها بعض الأحيان، للدلالة على المقصود بأقصر طريق ولا ينشأ الفكرة.
والله تعالى أعلم
[1] .[المؤمنون:51].
[2] .[ البقرة: 172].
[3] .تفسير الطبري،(3/52: 53).
[4].الأشباه والنظائر (ص:60).
[5] .[القصص: 26 – 27].
[6] .فتح الباري بشرح البخاري (4/ 444).


