السؤال
أعمل معيدا بإحدى الكليات، ويقصدني بعض الأساتذة الكبار لجمع المادة العلمية للبحوث الخاصة بهم بأجر، وذلك دون أن أتدخل في الكتابة والترتيب والتحليل للأفكار، فهل يجوز لي القيام بذلك والحصول على المال؟
الجواب
الأصل أن يقوم الأستاذ بكتابة أبحاثه العلمية بنفسه، لاشتراط الجامعة عليه ذلك ليترقى في الدرجة الأكاديمية، وإذا كان عملك قاصرًا على جمع المادة العلمية فقط دون التدخل في الصياغة، وترتيب الأفكار، واستخلاص النتائج، فعملك جائز، ويحل لك أخذ المال في مقابله.
التأصيل الشرعي
تحري الحلال في الكسب له الأجر الجزيل عند الله سبحانه وتعالى، وقد أمر الله الرسل عليهم الصلاة والسلام جميعا بتحري الحلال كما أمر بذلك المؤمنين فقال في شأن الرسل: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}[1]، وقال في شأن المؤمنين: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}[2]، أي: “يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، وأقروا لله بالعبودية، وأذعنوا له بالطاعة… أطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب لكم بتحليلي إياه لكم”[3].
والأصل في العمل الإباحة إلا ما ورد النهي عنه بدليل شرعيٍ، أو كان مشتملًا على محاذير شرعية، قال السيوطي: “قاعدة: الأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم، هذا مذهبنا…ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه، ويعضد الأول قوله-صلى الله عليه وسلم-: «ما أحل الله فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا»، أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن”[4].
والعمل في جمع المادة العلمية للبحوث يُكيَّفُ على أنه إجارة شخصٍ على أداء عملٍ مباح، وهي مشروعةٌ بقوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}[5].
قال ابن حجر: “وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة، فقال: ذكر الله سبحانه وتعالى أن نبيًا من أنبيائه أجر نفسه حججًا مسماة ملك بها بضع امرأة، وقيل: استأجره على أن يرعى له”[6].
والحكمة من مشروعية الإجارة في الشريعة الإسلامية هي حاجة الناس إليها؛ لأن المرء قد لا يقدر على قضاء أموره بنفسه، ولا يجد من يتطوع لذلك، فعندئذ يلجأ إلى من يقوم بالعمل بأجر.
والبحوث العلمية بها جوانب رئيسة يجب أن يقوم بها الكاتب بنفسه، وهي ما يتعلق ببناء الأفكار وبيان علاقتها مع بعضها ثم تحليلها، واستخلاص النتائج منها، وهذا لا يجوز أن يقوم به غيره، وهناك أمور ليست من صلب البحث يمكن أن يقوم بها غيره كجمع المادة العلمية من مظانها المختلفة، ثم يقوم الأستاذ بعد ذلك بالترتيب، والتنسيق، والتحليل، والتعليق، واستخلاص الأفكار.
فجمع المادة العلمية للبحوث، وسيلة مساعدة لإنجاز البحث في وقت أقل، حيث تعارف الأساتذة الكبار على ذلك، لكثرة أعمالهم فيستعينون بما يطلقون عليه مساعد باحث، وعمله في البحث ثانوي، والدور الأساس يقوم به الأستاذ من وضع للخطة، ومعالجة المادة العلمية وفقا للمنهج العلمي المناسب لها، إلى أن يصل البحث إلى مبتغاه.
وعلى هذا فالعمل في جمع المادة العلمية للبحوث مباح شرعًا، وأخذ المال عليه لا حرج فيه.
والله تعالى أعلم
[1] [المؤمنون:51].
[2] [ البقرة: 172].
[3] تفسير الطبري، (3/52: 53).
[5] [القصص: 26 – 27].
[6] فتح الباري بشرح البخاري، (4/ 444).


