الخميس, أكتوبر 8, 2026
No menu items!
Google search engine
الرئيسيةعقود المعاوضاتالبيعحكم دفع جزء من ثمن السلعة مقدمًا شريطة إن لم أحضر باقي...

حكم دفع جزء من ثمن السلعة مقدمًا شريطة إن لم أحضر باقي الزمن خلال مدة معينة يأخذ البائع المقدم (العربون) ويفسخ العقد

رقم الفتوي:
78

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

اشتريت سلعة، ودفعت جزءً من ثمنها مقدما إلى أنْ أحضر باقي الثمن، وشرط عليَّ البائع إذا لم أحضر باقي الثمن خلال مدة معينة أن يفسخ البيع ويأخذ المقدم الذي دفعته له، وارتضيت بذلك، فهل هذه المعاملة صحيحة، وهل يستحق البائع مقدم الثمن إذا لم ألتزم بأخذ السلعة ودفع باقي ثمنها؟

الجواب

بيع الشخص شيئًا، وأخذه من المشتري مبلغًا من المال يسمى عربونًا لتوثيق الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن، وإن عدل المشتري عن البيع كان العربون للبائع، هبة من المشتري له، يسمى بيع العربون، وهو جائز شرعا على ما ذهب إليه الحنابلة ما دام أن البائع والمشتري قد تراضيا على ذلك الشرط عند البيع؛ لأنه لا يخالف مقتضى العقد، ولم يرد نهي بخصوصه في الشرع.

ويجوز الأخذ برأيهم في هذه المعاملة، فيجوز للبائع أخذ مقدم الثمن ما دام أن المشتري قد قبل بهذا الشرط، وأخل بالتزامه مع البائع.

وإن كان يستحب للبائع أن يقيل المشتري إذا كان له عذر في عدم إتمام البيع، من باب التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم.

التأصيل الشرعي

الصورة المسؤول عنها هي صورة بيع العربون، وهو أن يبيع الشخص شيئًا، ويأخذ من المشتري مبلغًا من المال يسمى عربونًا لتوثيق الارتباط بينهما، فإن تم البيع بينهما احتسب العربون المدفوع من الثمن، وإن عدل المشتري عن البيع كان العربون للبائع، هبة من المشتري له.

وعلى هذا فبيع العربون لا يخلو من صورتين:

الأولى: وهي أن يدفع له مقدارا من المال مقدما، ويحسب من الثمن إذا تم البيع، وهذه الصورة جائزة ولا إشكال فيها.

الثانية: وهي أن يدفع له مقدارا من المال، إذا لم يتم البيع أخذه المشتري، وهذه الصورة هي التي وقع فيها الخلاف بين الفقهاء.

فذهب جمهور العلماء إلى عدم جوازها مستدلين بما روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ»[1].

وأجازها الحنابلة عملا بمبدئهم القائم على أن الأصل في العقود وما يتصل بها من شروط، الإباحة، فكل ما لم يمنعه الشرع منها فهو مباح استصحابا لذلك الأصل.

قال ابن تيمية: “الأصل في الشروط الصحة واللزوم إلا ما دل الدليل على خلافه”[2].

واشتراط البائع أن يأخذ مقدم الثمن عند عدول المشتري عن الشراء من الشروط الجائزة عند الحنابلة لأنه لا يخالف مقتضى العقد، ولم يرد نهي بخصوصه في الشرع.

واستدلوا بما رواه الإمام البخاري تعليقًا، قال: “واشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعمِئَةِ دِينَارٍ”.

وقد ضعَّف الإمام أحمد الحديث الذي احتج به الجمهور على المنع، وقال عنه الحافظ ابن حجر: “فيه راو لم يسمَّ، وسمي في رواية لابن ماجه ضعيفة: عبد الله بن عامر الأسلمي، وقيل هو ابن لهيعة، وهما ضعيفان”[3].

وعلى هذا فيجوز الأخذ برأي الحنابلة فيما ذهبوا إليه من جواز بيع العربون، وذلك لأن البائع ربما فوت على نفسه فرصة بيع السلعة بسبب انتظاره المشتري، فيكون فيه إضرار به، فإذا علم المشتري أنه لن يسترد ما دفعه للمشتري، كان جادا في شرائه ولا يقدم عليه إلَّا إذا كان في حاجة للسلعة، فيكون في ذلك ضبط لمعاملات الناس.

على أننا نؤكد على البائع بأنه يستحب له أن يرد مقدم الثمن للمشتري إذا منعه عذر قهري من إتمام البيع، والإقالة مستحبة لما فيها من التيسير على الناس، وتخليصهم مما يظنون أنَّه ورطة يندمون على الوقوع فيها، فيكون فيها تنفيس لكربتهم وتفريج لغمهم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا، أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[4].

ولا يأخذ من مقدم الثمن إلا بمقدار ما وقع عليه من ضرر بسبب عدول المشتري عن الشراء، فإذا لم يتعرض لضرر من فسخ البيع، فيقيله استحبابا عملا بالحديث السابق.

والله تعالى أعلم

[1] أخرجه ابن ماجه في “سننه” (2192).

[2] مجموع الفتاوى، لابن تيمية (29/ 346).

[3] التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر (3/ 39).

[4] أخرجه ابن ماجه في “سننه” (2199).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات