الأربعاء, أكتوبر 7, 2026
No menu items!
Google search engine

حكم الفصل التعسفي

رقم الفتوي:
459

السؤال

الجواب

التأصيل الشرعي

السؤال

أعمل في شركة تكلفنا بالعمل لمدة اثني عشر ساعة يوميًا، وغالبًا ما يتم تأخير رواتبنا لعدة أشهر، وحينما اعترض أحدنا على هذا الوضع، تم فصله من الشركة بدون أي مبررات، فهل هذا التصرف جائزٌ شرعًا؟

الجواب

الأصل في العقود التراضي، فما دام العامل قد تصالح مع صاحب العمل على قدرٍ معينٍ من الوقت، فيجب عليه الوفاء به، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن تأخير الأجرة عن وقت استحقاقها بلا مبررٍ شرعي هو عمل مذمومٌ شرعًا، كذلك فإنه لا يجوز لصاحب العمل أن يستقلَّ بفسخ العقد أو بفصل العامل بدون مُسوِّغٍ شرعي، إذ أن عقد الإجارة عقدٌ لازم، لا يجوز فيه ذلك.

التأصيل الشرعي

من المقرر شرعًا جواز إجارة شخصٍ على أداء عملٍ مباح، وهو ما يُسمَّى بالأجير الخاص، ودليل مشروعية تلك الإجارة قوله تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}[1].

قال ابن حجر: “وقد احتج الشافعي بهذه الآية على مشروعية الإجارة، فقال: ذكر الله سبحانه وتعالى أن نبيًا من أنبيائه أجر نفسه حججًا مسماة ملك بها بضع امرأة، وقيل: استأجره على أن يرعى له”[2].

والأجير الخاص يعَرَّفُ شرعًا بأنه: “(هو من يعمل لواحدٍ عملًا مؤقتًا بالتخصيص… ويستحق الأجر بتسليم نفسه مدته، وإن لم يعمل، كأجير شخص لخدمته، أو رعي غنمه) وليس له أن يعمل لغيره؛ لأن منافعه صارت مستحقة له، والأجر مقابل بها، فيستحقه ما لم يمنع من العمل مانع كالمرض والمطر ونحو ذلك مما يمنع التمكن من العمل”[3].

وليس للأجير الخاص شروطٌ سوى بيان مدة الإجارة فقط، قال الإمام الكاساني الحنفي: “وأما في الأجير الخاص فلا يشترط بيان جنس المعمول فيه، ونوعه، وقدره، وصفته، وإنما يشترط بيان المدة فقط”[4].

ولقد وضع الإسلام نظامًا شاملًا لترتيب العلاقة التعاقدية بين الأجير والمستأجر، وفرض لكلٍ منهما حقوقًا، وأوجب عليهما واجبات.

فمن ذلك: أنه جعل الأصل في العقود عامةً التراضي، ومن ذلك عقد الإجارة، فما دام العاقدان قد تراضيا على قدرٍ معينٍ من ساعات العمل، فهو ملزمٌ للطرفين، ومن المقرر شرعًا أنه يجب على المسلم الوفاء بالعقود والالتزامات التي وافق بها عن رضىً واختيار، لقوله تعالى: {يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}[5]، وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}[6].

كما أنه رُوِيَ عن سيدنا كَثيرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، عن أبيه، عن جَدَّه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «المسلِمونَ عِندَ شروطِهِم، إلَّا شَرطًا حرَّمَ حَلالًا، أو شَرطًا أحَلَّ حَرامًا»[7].

إلا أن ذلك التراضي على قدرٍ معينٍ من ساعات العمل يجب أن يكون مُقيَّدًا بما قيَّده به ولي الأمر في تحديد تلك الساعات، إذ أن لولي الأمر تقييد المباح، ذلك أن تصرف الإمام على الرعية مَنُوطٌ بالمصلحة، كما نصَّ عليه الزركشي[8].

كما أنَّ الشارع الكريم أولى اهتمامًا كبيرًا بمقابل العمل أو ما يُسمَّى بالأجرة المستحقة، فحرَّم تأخيره عن وقت استحقاقه، قال صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»[9].

وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ»[10].

كذلك فإن من أحكام عقد الإجارة أنه عقد لازم، أي: لا يجوز لأحد الطرفين أن يستقلَّ بفسخه، فهو لا ينتهي إلا بالتراضي، أو انقضاء المدة، أو العمل، أو وجود سببٍ للفسخ، قال البغوي الشافعي: “وعقد الإجارة عقد لازم، لا يجوز لأحد المتعاقدين فسخه بعذر يظهر له؛ سواء استأجر عينه أو ألزم ذمته، إلا أن تتلف العين، فينفسخ، أو يجد بالعين عيبًا ينقص المنفعة، فيثبت للمستأجر الفسخ”[11].

كما أن فصل العامل من غير سبب موجب للفسخ هو عمل مجرمٌ قانونًا، موجبٌ للمساءلة التأديبية، سواء كانت العلاقة التعاقدية تخضع للقانون العام، بأن يكون العامل خاضعًا للجهاز الإداري للدولة، أو للقانون الخاص، وذلك إذا كان العامل يعمل في القطاع الخاص، لأن القاعدة المستقرة قانونًا أن العقد شريعة المتعاقدين، فيجب على كلٍ من طرفي هذه العلاقة تنفيذ ما اتفقا عليه، وعدم الخروج عن مقتضاه.

وعليه: فإنه يجب على كلٍ من العامل وربِّ العمل الوفاء بما التزما به، ويمتنع على الأخير الاستقلال بفسخ عقد الإجارة دون مُسوِّغٍ شرعي، وإلا كان فعله باطلًا.

والله تعالى أعلم

[1] [القصص: 26 – 27].

[2] فتح الباري بشرح البخاري (4/ 444).

[3] درر الحكام شرح غرر الأحكام، منلا خسرو (2/ 236).

[4] بدائع الصنائع (4/ 184).

[5] [المائدة: 1].

[6] [الإسراء: 34].

[7] أخرجه الإمام البيهقي في “السنن الكبرى” (11540).

[8] المنثور في القواعد (1/ 309).

[9] أخرجه ابن ماجه في “سننه” (2443).

[10] أخرجه الإمام البخاري في “صحيحه” (2227).

[11] التهذيب في الفقه الشافعي (4/ 447).

مقالات ذات صلة

الأكثر قراءة

اخر المقالات