السؤال
أصبتُ شيئا من المال الحرام من شخص لا يمكنني الوصول إليه الآن، وليس في استطاعتي إعادة المال إليه، فماذا عليَّ أن أفعل؟
الجواب
أمرنا الحق تبارك وتعالى بتحري الطيب من الرزق، وأن نتجنب الخبيث من الكسب، ومن أصاب شيئا من المال الحرام وجب عليه أن يرده لصاحبه ولا تتم توبته إلا بذلك، فإن تعذر رده لعدم مقدرته على الوصول لصاحبه مثلا، فعليه مع التوبة أن يكثر من العمل الصالح مع الدعاء إلى الله تعالى بتيسير رد الحق لصاحبه، ويمكن له أن يتصدق بهذا المال عن صاحبه، ومع ذلك لو ظهر في المستقبل وجب رد المال إليه أو طلب المسامحة منه، فحقوق الغير لا تسقط إلا بأدائها لأصحابها، أو تنازلهم عنها.
التأصيل الشرعي
المال من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية للمحافظة عليها، وقد بينت طرق اكتسابه، وتنميته، وكيفية صيانته لصاحبه والمحافظة عليه، سواء أكان صاحب المال فردا، أم شخصية اعتبارية كالدول والمؤسسات.
وقد تتابعت النصوص الشرعية على التأكيد على حرمة الاعتداء على الأموال بسرقتها أو غصبها، أو بغير ذلك من طرق الحرام دون وجه حق، منها قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}[1]، أي:”ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل، وأكله بالباطل أكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه”[2].
وقوله صلى الله عليه وسلم:”أتدرون من المفلس؟ قالوا :المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يوفي الذي عليه، أخذ من سيئات صاحبه ثم طرحت عليه، ثم طرح في النار”[3]، ففي هذا الحديث حذر النبي-صلى الله عليه وسلم- من عدة أشياء تهلك الحسنات يوم القيامة منها أكل مال الغير بالباطل.
وإذا أصاب المسلم مالا من حرام ثم تاب إلى الله عز وجل، فمن تمام التوبة وجوب رد المال لصاحبه إذا أمكن الوصول إليه، أو التصدق به عنه إذا لم يمكن إيصال المال إليه.
يقول ابن عابدين:” سبيل الكسب الخبيث-أي المال الحرام- التصدق إذا تعذر الرد على صاحبه”[4].
وإذا كان التائب ليس لديه المال الكافي لكي يرد المال لصاحبه، أو لم يمكنه العثور على صاحب المال، فهذا المال ثابت في ذمته وهو ضامن له متى استطاع دَفْع المال لزمه ذلك، يقول ابن عابدين –رحمه الله-: “أي لو أقر بالسرقة يتضمن ذلك الاقرار حق الله، وهو إقامة الحد وحق العبد، وهو ضمان المال فلا يلزمه الحد لدرئه بالشبهات، ويصح في حق العبد فيضمن المال المسروق”[5].
وقال النووي-رحمه الله-: “وإن كان معسرا-أي السارق-، نوى الغرامة-أي رد المال لصاحبه- إذا قدر، فإن مات قبل القدرة فالمرجو من فضل الله تعالى المغفرة”[6].
فمن أخذ مالا بغير حق فهو ضامن له، ويجب عليه رده لصاحبه متى استطاع، فإن تعذر الرد فيتصدق به عن صاحبه إن آيس من الوصول إليه، مع الإكثار من العمل الصالح، والاستغفار.
والله تعالى أعلم
[1] [البقرة: 188].
[2] تفسير الطبري، (3/276).
[3] رواه مسلم، (16/462).
[4] حاشية ابن عابدين، (6/385).
[5] قره عين الأخيار لتكملة رد المحتار، (8/ 321).
[6] روضة الطالبين، (11/246).


